إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

تواصل المخرجة المغربية فريدة بورقية حفرها في النصوص التاريخية بحثا عن مادة طيعة تستجيب لتطلعاتها في ابتكار قالب سينمائي يختزل رسالة مبطنة تقدم التاريخ للمتلقي في وصلة فنية ماتعة، وتشركه في التعقيب على حاضر يلبس ثوب الانطفاء.

وهذه ليست المرة الأولى التي تتعامل فيها المخرجة مع شخصيات تاريخية وتراثية بارزة ذات صيت وخصوصية، فقد سبق أن استلهمت شخصية المتصوف والزجال الشهير عبد الرحمن المجذوب، وشخصية القائد عيسى بن عمر الذي عرف بدمويته وبطشه اللذين أثارا الرعب في مغرب ذاك العصر.

غير أن بورقية اختارت هذه المرة شخصية لها وقع خاص في تاريخ النساء المغربيات، ولها في الوجدان تمثّل أثير لدى المغاربة، ويتعلق الأمر بشخصية زينب النفزاوية التي كانت وراء تألق قائد رفرف اسمه عاليا هو يوسف بن تاشفين وأسهمت في سمو مجد حضارة المرابطين.

وقد جاء استدعاء هذه الشخصية في سياق الجدل الدائر حول وضعية المرأة في العالم العربي، ومساهمتها في بناء المجتمعات، وفي ظل النكسات الحالية التي يعرفها العالم العربي.

المخرجة فريدة بورقية لجأت لتقنية الأبعاد الثلاثية لتقوية بعض المشاهد (الجزيرة)

امرأة مستحيلة
أثارت النفزاوية كثيرا من الجدل بحكم ما كانت تتميز به من قوة شخصية وجمال أخاذ وعلم وفير وحسن التدبير وحدة الذكاء، فقد قال عنها ابن خلدون إنها "كانت من إحدى نساء العالم المشهورات بالجمال والرياسة"، وهذا ما أهلها لتتزوج عددا من القادة كان آخرهم البطل ابن تاشفين، ولم يكن قد نال بعد الحظوة السياسية التي أصبحت له بعد أن تزوجها، فقد كانت خير سند له في وصول ما وصل إليه من مجد نظرا لما راكمته من تجارب، وما استفادته من خبرات الحكم والقيادة والتسيير من خلال حياتها مع أزواجها السالفين، فضلا عن كونها نشأت في بيت عز وعلم وجاه.

ويصور الفيلم سيرة النفزاوية معتمدا على ما دونته المصادر والمراجع التاريخية حولها، انطلاقا من مميزاتها في الطفولة، والشباب، مرورا بزواجها من أربعة أمراء تعاقبوا على قيادة أغمات، وعقب صعود دولة المرابطين تزوجها الزعيم أبو بكر بن عمر، ثم طلقها عقب عودته إلى الصحراء من جديد لانشغاله بإخماد تمرد القبائل على دولته وأمرها بأن تتزوج من ابن عمه الأمير المرابطي ابن تاشفين بعد ما ولاه منصب حكم المغرب بأكمله.

ويذهب الناقد نزار الفراوي إلى أن الفيلم ركّز على الأفعال، إلا أن الإنتاج جاء فقيرا ولم يستطع أن ينقل عظمة لحظات معينة في تاريخ هذه السيدة وآخر أزواجها ابن تاشفين إلى جانب مشاهد المعارك التي شهدتها أغمات بين الأطراف المتصارعة، وكذلك مشهد لقاء أبي بكر بن عمر بعد عودته من الصحراء للقاء ابن تاشفين ولا مشاهد بناء مدينة مراكش.

وترجع المخرجة هذا إلى أن الفيلم كان في البداية عبارة عن مسلسل من ثلاثين حلقة، تم اختزاله في فيلم من (89 دقيقة) نظرا لارتفاع التكاليف المادية واللوجستية التي يحتاجها المسلسل.

لقطة من فيلم زينب زهرة أغمات (الجزيرة)

مسار صعب
تم إعداد فيلم "زينب... زهرة أغمات" في مختبرات المركز السينمائي المغربي عن سيناريو كتبه محمد منصف القادري، وساهم في تشخيص أدوار الفيلم كل من الممثلين أمينة رشيد وبنعيسى الجيراري ومحمد خيي وعبد السلام بوحسيني وفريد الركراكي.

ويضيف الفراوي أنه بالرغم من كون جمهور المهتمين صفق لجرأة الاختيار والرهان الثقافي والبيداغوجي الكامن وراء إنجاز فيلم تاريخي حول شخصية نسائية بارزة بالتاريخ المغربي، فإن ذلك لم يحجب مؤاخذات كثيرة في الجانب الإنتاجي الذي بدا قصوره في نقل أجواء وفضاءات تلك الحقبة البعيدة، وكذا اختلالات الكتابة السينمائية لتيمة معقدة تتعلق بتناول الشخصية التاريخية من حيث بناء مقوماتها ورصد سياق تفاعلها مع محيطها.

ولتحسين المنتوج الفيلمي، تؤكد بورقية أنها لجأت إلى استعمال تقنية الأبعاد الثلاثية لتقوية بعض المشاهد، وخصوصا المشهد الذي كان محل نقاش من قبل المتتبعين، وهو التقاء جيش ابن تاشفين مع جيش ابن عمه، كما تعترف أنها غيرت الموسيقى التصويرية للفيلم.

ولم تخفِ بورقية استفادتها من الملاحظات الدقيقة التي وجهها النقاد لهذا العمل، سواء في الندوات التقديمية أو خلال اللقاءات الصحفية التي كان الفيلم محورا لها، خاصة الدورة الماضية من مهرجان سلا الدولي للمرأة.

المصدر : الجزيرة