حاورها: عبد الغني المقرمي-صنعاء

في حوارها مع الجزيرة نت، تفصح القاصة اليمنية الدكتورة نادية الكوكباني المولودة في مدينة تعز عام 1968 عن بعض ملامح عالمها السردي، مؤكدة أن الكتابة مسؤولية، وأنها من منطلق هذه المسؤولية معنيةٌ بالانتصار للمظلومين وبتقديم قراءات صادقة وشفافة عن الناس والحياة.

اتجهت الحركة السردية اليمنية في الآونة الأخيرة إلى التاريخ، والمعاصر منه على وجه التحديد، وفي هذا السياق جاءت روايتك الأخيرة (صنعائي).. فهل نفهم في ذلك استنطاقا للتاريخ أم هروبا من الواقع؟

في اعتقادي أن تاريخ اليمن في النصف الثاني من القرن الفائت لم يُكتب بطريقة صحيحة، وأن الذين كتبوه كانوا منحازين: إما لأنفسهم أو لأشخاص آخرين، أو لفترات بعينها، وبالتالي فإن السرد حين يعيد بناء الحدث التاريخي على نحو من الموضوعية فإنه بذلك يُعدّ رديفا محايدا للتاريخ، وعملية تصحيحية تعيد وضع الأحداث في سياقها الصحيح، وفي ذلك تأكيد على دور السرد في تقديم قراءات صادقة وشفافة عن الناس والحياة.

 وماذا عن الحضور الطاغي للمكان بأبعاده التاريخية والإنسانية في منجزك السردي بدءا برواية (زفرة ياسمين) ووصولا إلى الرواية الأخيرة (صنعائي)؟

المكان جزء لا يتجزأ من التكوين النفسي والفني لأي قاص، وله حميمية خاصة لديه، وللأمكنة في ذاكرة السرد خارطتان: بيئية، ونفسية، والعمل السردي الناجح هو الذي يستثمر متاحات الخارطتين في إبراز الأبعاد المختلفة للمكان وخاصة تلك المثقلة بالمضامين الإنسانية.

في روايتي الأخيرة (صنعائي) على وجه التحديد كان المكان هو البطل الحقيقي للرواية، لأنني لم أقدمه كمجرد حيّز مادي صامت، وإنما كقيمة مشبعة بالتاريخ والاجتماع والفن.

 ثمة من ذهب إلى أن هذه الرواية هي المحطة الأكثر نضوجا من بين إصداراتك السبعة السابقة؟

لا شك أن القاص -أي قاص- كثيرا ما يقرأ منجزه القصصي فهو دائم الاشتغال على الذات، وهذه الاشتغالات المزمنة تنطلق من الوعي بأهمية أن يعيد القاص قراءة أعماله وخاصة المنشورة منها في ضوء ما كُتب عنها، وإجراء عدد من المراجعات المختلفة، في لغته وحبكته الفنية وبنائه الدرامي وأبطاله وغير ذلك.

تاريخ اليمن في النصف الثاني من القرن الفائت لم يُكتب بطريقة صحيحة، والذين كتبوه كانوا منحازين، إما لأنفسهم أو لأشخاص آخرين، أو لفترات بعينها

أعتقد أنني أنجزت أعمالي السابقة بذات الوعي، لكن نقاط التماس مع القارئ هي التي تخلق الحميمية والتعاطف والاقتراب أكثر من النص، وهذا بطبيعة الحال لا يلغي افتراضية النضوج التراكمي في أي تجربة أدبية.

 لماذا اخترت نهاية العقد الستيني من القرن الفائت تحديدا كخلفية زمنية لهذه الرواية؟

في هذا الحيز الزمني تحديدا حدث صراع مرير نتج عنه شرخ كبير في بنية المجتمع اليمني اتّسع تاليا بفعل الأحداث السياسية المتلاحقة، كما لحق ظلم كبير بالثوار الحقيقيين الذين قدموا إلى صنعاء من مختلف المناطق اليمنية للدفاع عنها وفكّ الحصار الذي ضربته حولها القوى المناوئة للثورة، وما أن تم النصر حتى خرج الفارّون من مخابئهم لاستلام ثمن نصر ليسوا طرفا فيه، وجوزي الثوار الحقيقيون بمآلات وحشية بين قتل وتعذيب ونفي. وجاء المتقوّلون فكتبوا تاريخا مغايرا للثورة، نسبوا فيه لأنفسهم أو لمن استكتبهم بطولات زائفة، ولم يكتفوا بذلك، بل عمدوا إلى تشويه صور الأبطال الحقيقيين، فكان لابد من الانتصار لهم، وتوضيح الحقائق.

 لكن هناك من يرى أنك بكتابتك عن حصار صنعاء لم تتناولي الحدث الماضي بقدر ما أنك حاولت التنبؤ بأحداث قادمة.. وها هي صنعاء اليوم تعيش ظروف الحصار؟

تقديم قراءات استشرافية في الأعمال السردية ذات البعد التاريخي يمنحها مدى زمنيا متجددا، ولأن التاريخ يعيد نفسه فقد كنت واثقة أن حصار الأمس سيعود بحدية أكبر، لكنني مؤمنة حدّ اليقين أن صنعاء التي انتصرت بالأمس ستنتصر اليوم.

 في المشهد الإبداعي اليمني يحضر الصوت النسائي في فضاء السرد أكثر منه في فضاء الشعر فما تفسير ذلك؟

النظام السابق عمل على تعتيم الرؤية في المشهد الثقافي اليمني عموما، وابتسر الأمر في أسماء معينة، كما تخلّت المؤسسات الثقافية عن دعم المبدعين

لا شك أن المتاحات التعبيرية في السرد كثيرة ومتعددة، كما أن مساحة البوح فيه أكثر اتساعا، وقد اقترب السرد من الشعر كثيرا، فأصبحنا نسمع اليوم بشعرية السرد التي نقلت الكتابة من طور الحكاية إلى طور الانفعال بها، ومن هنا يأتي الخطاب السردي شاعريا أيضا، ومع هذا فإن الأصوات النسائية في المشهد الشعري لها حضورها كما ونوعا.

 لا يزال المشهد السردي في اليمن بعيدا عن المشهد الأدبي في المنطقة، والدليل على ذلك خلو قوائم البوكر في الأعوام الأخيرة من العناوين اليمنية؟

عمل النظام السابق على تعتيم الرؤية في المشهد الثقافي اليمني عموما، وابتسر الأمر في أسماء معينة، وتخلّت المؤسسات الثقافية عن دعم المبدعين، كما أن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين أصيب باليباس وتجمد مشروعه الوطني الكبير.. ومن ثمّ لم يبق أمامنا إلا تلك الجهود الذاتية التي قد لا تصل إلى مهمة التعريف بنا لدى الآخرين، لكنها دون شك دليلٌ واضحٌ أن الأدب في هذا البلد لايزال حياً يُرزق.

المصدر : الجزيرة