عبد الحكيم أحمين

أصدر الناقد المغربي إدريس الكريوي دارسة نقدية تفصيلية للرواية العربية، في رحلة عبر رواية علي القاسمي "مرافئ الحب السبعة"، حيث حاول الوقوف على معالم مضمونها ورصد تقنياتها الأسلوبية، وذلك تحت عنوان "بلاغة السرد في الرواية العربية".

واختار الناقد لدارسة الرواية العربية -الصادرة عن دار الأمان بالمغرب ومنشورات الاختلاف بالجزائر ومنشورات ضفاف بالسعودية في 343 صفحة- روائيا عربيا يجمع بين العمق الثقافي العربي والإسلامي وبين التغلغل في مكامن الأدب الغربي عبر ترجمته العديد من المسرحيات والروايات الأجنبية وغيرها من الأعمال الأدبية والثقافية والسياسية، وهو الدكتور العراقي المقيم في المغرب علي القاسمي، من خلال روايته "مرافئ الحب السبعة" التي صدرت بالمغرب عام 2012.

وللقاسمي مؤلفات متنوعة المشارب والمجالات، فقد ترجم العديد من المسرحيات والروايات الغربية إلى اللغة العربية، كما أنه مثقف مهموم بآلام وآمال شعب العراق والمنطقة العربية والإسلامية، إذ له من المؤلفات "معجم الاستشهادات الموسع" و"مفاهيم العقل العربي"، و"العراق في القلب"، و"السياسة الثقافية في العالم العربي" وغيرها.

تجليات السرد
وفي تتبع تجليات سرد الرواية العربية عبر أنموذج رواية القاسمي، قسم الكريوي دراسته إلى قسمين كبيرين، القسم الأول يبحث موضوعات الرواية في خمسة فصول هي: تحكم الذاكرة في خيوط الحكي في الرواية، ومستويات الغربة في الرواية، وتنامي الحس الوطني في الرواية، والبعد النفسي في الرواية: جدلية الحلم والواقع، والبعد الفلسفي في الرواية: الأسئلة الفلسفية والوجودية.

علي القاسمي مثل سابقيه من الروائيين العرب حكى عن طفولته ورجولة بطله في ديار الغربة، ومنافسة الرجل الغربي، وعن تداخل الحضارتين العربية والغربية والتناقض بين المجتمعين

وفي مقاربته للرواية تقنيا وأسلوبيا، وزّع القسم الثاني من الدراسة النقدية على تسعة فصول: بهاء اللفظ وسناء المعنى، وقضايا في الأسلوب، والوصف في الرواية، والتنصيص في الرواية، والبعد البلاغي في الرواية، والإنشائية في الرواية، والإيحاء والرمز في الرواية، وتقنيتا التناصّ واستدعاء الشخصيات التراثية في الرواية، ومظاهر تجريبية في الرواية.

ويرى إدريس الكريوي أن رواية القاسمي هذه "لبنة تسد خصاصا كان لا بد أن يسد ليعطي للجدار اللحمة والأمان ويمنعه من التسور والاقتحام"، وهذا الجدار ساهم في تشييده طه حسين بإنجازه "الأيام" و"أديب"، ويحيى حقي بـ"قنديل أم هاشم"، وسهيل إدريس بـ"الحي اللاتيني"، وتوفيق الحكيم بـ"عصفور من الشرق"، والطيب صالح بـ"موسم الهجرة إلى الشمال".

ويقول الكريوي إن علي القاسمي مثل سابقيه من الروائيين العرب حكى عن طفولته ورجولة بطله في ديار الغربة، ومنافسة الرجل الغربي، وعن تداخل الحضارتين العربية والغربية، وعن المثاقفة وعن التناقضات والتعارضات الصارخة بين المجتمعين من خلال التحرر هناك والمحافظة هنا، وسيطرة منطق العلم هناك وغلبة الشعوذة هنا، لكنه يؤكد أن رواية القاسمي تحبل بموضوعات أخرى جديدة كل الجدة شكلا ومضمونا.

ويتساءل الكريوي "لكن هل ظل القاسمي على سكة هؤلاء الأدباء؟"، ويجيب بأن القاسمي جرّب المألوف من الموضوعات والتقنيات كما أبدع أساليب جديدة خاصة به منها تجريب الألفاظ، وتحريك الخطابات من خطابات توثيقية إلى خطابات فنية نفسية تنمّ عن بوح أو إقرار واعتراف أو اعتذار أو تحد أو مجاملة، وذلك في قالب فني جميل كخرق المألوف وتوسيع طاقة الحقول الدلالية والموضوعية والعجائبية المستمدة من الصوفية أو الأسطورة أو توليد الخيال وتطويعه.

تقنيات مميزة
ومن الناحية الأسلوبية، يرى الكريوي أن الرواية العربية جربت من خلال رواية القاسمي أساليب عديدة وتقنيات متنوعة في روايته، الشيء الذي أعطاها نكهة متميزة عن الإبداعات المماثلة، حيث "جرب القاسمي أسلوب الالتفات، والانتقال بين محطات حوارية وسردية (حوار- حوار)، (حوار-سرد)، (ضمير متكلم- ضمير غائب)، ومعرفة الكاتب المساوية لمعرفة الراوي، وتنبؤات البطل وتقهقر الراوي، والتوظيف الكرونولوجي للأحداث التاريخية، والظواهر الغالبة على محطات حياة المؤلف، والبعد الصوفي المسعف في الملمات".

ساهم إدريس الكريوي بدارسته هذه في سد جانب من الفراغ الذي تعيشه الساحة النقدية الأدبية، حيث تغلغل في تفاصيل الرواية العربية من خلال أنموذج "مرافئ الحب السبعة"، متتبعا موضوعاتها

كما وظفت الرواية العربية البعد السياسي، والبعد الحضاري، والبعد الإنساني، وجمعت بين الأسلوب التقريري والبلاغي القائم على الاستعارة والبديع والإيقاع "حتى تتبدى لك الرواية في مساحات كبيرة منها قصيدة طويلة أو مقطوعات شعرية تطرّز ديوانا، ناهيك عن الثقافة العربية القديمة القائمة على المثل والحكمة والمأثور الديني والأسطوري والتاريخي".

ويستنتج الناقد أن القاسمي أخلص للفهم الشمولي للرواية وتعريفه الموسوعي الذي يوسع مجال اهتمامها إلى أبعد حد كما فعل الكتّاب والنقاد من قبله، ولهذا يصنف رواية "مرافئ الحب السبعة" ضمن "الرواية الثقافية بالمعنى الموسوعي لا التخصصي للثقافة"، فالرواية "هي أهم الفنون وهي الفن المتكامل، وهي العنقاء التي تلتهم في بطنها مختلف الأجناس والفنون والعلوم والآداب".

لقد ساهم إدريس الكريوي بدارسته هذه في سد جانب من الفراغ الذي تعيشه الساحة النقدية الأدبية، حيث تغلغل في تفاصيل الرواية العربية من خلال أنموذج "مرافئ الحب السبعة"، متتبعا موضوعاتها ومتحركا بين أزمنتها وشخوصها وأمكنتها وعوالمها، ومعايشا أحداثها عن قرب، ليكشف مستور تقنياتها وأساليبها السردية، سواء تلك التي أسسها الأدباء والروائيون الكبار السابقون، أو تلك التي أبدعتها أنامل القاسمي لتعبّر عن غناها وتنوع ثقافته وتمكنه من لغته وآلياتها اللغوية والأسلوبية وغيرهما.

المصدر : الجزيرة