توفيق عابد-عمّان

استطاعت المثقفات في الخليج العربي مواجهة الحصار وزلزال المنظومة الاجتماعية والاستهجان ومحاولات التشكيك بقدرتهن على الإبداع، كما استطعن من خلال إنتاجهن -خاصة الروائي- كسر التابوهات والتمرد على بطريركية الرجل وتسجيل حضورهن على الخريطة الثقافية.

هذا ما أكدته الأكاديمية السعودية في جامعة الملك سعود الدكتورة ميساء الخواجا والناقدة الأردنية الدكتورة امتنان الصمادي -التي تعمل في قطر- خلال الندوة التي نظمها منتدى الرواد الكبار بالعاصمة الأردنية مساء الأحد بعنوان "المشهد الثقافي النسائي في الخليج العربي".

الخواجا والصمادي خاطبتا نخبة من المثقفين بقولهما إن المبدعة الخليجية اقتحمت حاجز الصمت، وإن الجسد والرقابة الدينية والأعراف المجتمعية هي مقومات العمل الروائي النسوي.

وأشارتا إلى أن المشهد الثقافي السعودي بخاصة شهد طفرة في الكتابة النسائية في العقدين الأخيرين بسبب الطفرة النفطية وما تبعها من تحولات ثقافية واجتماعية وسياسية وثورات معلوماتية وفضاءات مفتوحة.

وفي مداخلتها "الرواية النسائية السعودية وخطاب التمرد" رأت الخواجا أن الرواية النسائية تقدم خطابا جديدا يمهد لإعادة التفكير في المسلمات المرجعية بهدف إحداث تراكم يؤدي لتغيير في البنية المعرفية في مواجهة خطاب يحرص على تأييد الوضع القائم ومحاولة تثبيته.

جانب من حضور ندوة المشهد الثقافي النسائي في الخليج العربي (الجزيرة نت)

قلق السؤال
وقالت الخواجا إن الخطاب النسائي يحضر في ظل هيمنة الخطاب الذكوري تاريخيا وثقافيا "الرجل صاحب خطاب المركز", ومن هنا كانت الكتابة علامة على وعي جديد يدخل عالمها الساكن وينقلها من حياة القناعة إلى قلق السؤال وقلق الوعي لما يدور حولها.

وأشارت إلى أن جل الإنتاج الروائي النسائي ينشر في خارج المملكة رغم أن متلقيه محلي وينطلق من خلفيات أيديولوجية تسعى لتحقيق مكاسب للمرأة صاحبه تصور أنه كتابة وثائقية تمثل شريحة متجانسة ولا ينظر للكاتبات على أنهن يتحدثن بألسنة مختلفة وينتمين لحركات ثقافية مختلفة.

وتحدثت عن منع بعض الأعمال الأدبية من التداول، لكنها أكدت أن أهم قصيدة نثر للجنسين تكتب الآن في المنطقة الشرقية من السعودية، لافتة إلى أن حكومات الخليج تحاول صناعة دور ثقافي.

شهلا العجيلي: النقد يتعامل مع الرواية النسوية في الخليج بمعايير مشجعة (الجزيرة نت)

كسر التابوهات
وفي مداخلتها في "المشهد الروائي النسائي في الخليج" رأت الدكتورة امتنان الصمادي أن الرواية الخليجية أسهمت في كسر التابوهات، وقدمت إدانة واضحة وصريحة لواقع المجتمع رغم تعثر بعض الأعمال، وأن الجسد وعلماء الدين والأعراف المجتمعية هي الغذاء الذي اتكأت عليه الرواية النسائية الخليجية في أغلب الأحيان.

وذكرت أن كتابة المرأة الجريئة ارتبطت بقيمة أخلاقية هي الحياء، مشيرة لدعوة بعض الكاتبات القاصات -أمثال الإماراتية شيخة الناخي- المبدعات إلى الالتزام بالأعراف والقوانين التي ينبغي عدم تجاوزها باسم حرية الإبداع، مستخدمة مصطلح أخلاقيات المهنة وأن التجاوز خروج على المجتمع لا يمكن وصفه إلا على أنه ابتذال وإسفاف.

وتحدثت الصمادي عن ظاهرة لجوء الكاتبات السعوديات لأسماء مستعارة، وقالت إنها تؤكد خوف المرأة من كسر حاجز التجاوز أمام صرامة النظام الاجتماعي الأبوي، غير أن هذه الظاهرة لم تطل الكاتبات القطريات والعمانيات, مما يقود هؤلاء الكاتبات إلى الإحساس بالتصالح مع الذات والمجتمع.

قالت الصمادي إن تجربة المرأة القطرية رغم أنها مقلة فإنها مبشرة وواعدة إذا ما استطاعت أن تتخلص من أبعاد اجتماعية مقيدة، فهناك أقلام جادة كمريم آل سعد ونورا آل سعد ووداد الكواري وهدى النعيمي ونورا فرج وكلثم جبر

التجربة القطرية
واعتبرت أن إدراك المرأة فكرة العقاب قادها للتمرد رغبة في الاكتشاف وسماع صوت الأنا، ويتضح ذلك من خلال الإهداء الذي سطرته زينب حنفي في روايتها "لم أعد أبكي"، "إلى نفسي لأثبت لنفسي حقها في البقاء".

وقالت إن أدب المرأة الخليجية استطاع أن ينتقد المنظومة الاجتماعية والآخر من خلال الخروج عليه، وإن معظم الأعمال تدور حول الرجل وتتوزع بين التوافق, والمساواة والحب, والحاجة والتفهم, والشراكة الإنسانية والكره, والخيانة والظلم, وتسعى للانسجام معه ما دام متفهما لإنسانيتها ودورها وحاجتها للحب والتعليم والحياة الكريمة.

وفي معرض ردها على سؤال للجزيرة نت قالت الصمادي إن تجربة المرأة القطرية رغم أنها مقلة فإنها مبشرة وواعدة إذا ما استطاعت أن تتخلص من أبعاد اجتماعية مقيدة، فهناك أقلام جادة كمريم آل سعد ونورا آل سعد ووداد الكواري وهدى النعيمي ونورا فرج وكلثم جبر قدمت على الصعيد الإبداعي الروائي والقصصي، ونتوقع أن تكون حاضرة بقوة في المشهد الثقافي الخليجي.

وامتدحت دور وزارة الثقافة القطرية، وقالت إنها تدعم وتشجع وتحفز الحضور النسائي من خلال دعم الأعمال، وترشيحهن للمشاركة في ملتقيات عربية وعضوية لجان ثقافية لإيمان الوزارة بأن المرأة يمكنها أن تقدم كالرجل.

وعقب الأمسية الثقافية، قالت المتخصصة في الأدب الحديث بالجامعة الأميركية بالأردن الدكتورة شهلا العجيلي إن النقد يتعامل مع الرواية النسوية في الخليج العربي بمعايير خاصة ومشجعة ويعتبرها مغامرة شجاعة.

النقاد والمجتمعات
لكن إذا أتينا لأصل الفن الروائي -والحديث للعجيلي- فسنجد شروطا موضوعية لا تشكل أرضية للرواية بالخليج باستثناء بعض الأسماء التي استطاعت التقاط لحظات التحولات العنيفة في المجتمع، مثل رجاء عالم وبدرية البشر.

ورأت الدكتورة العجيلي أن المجتمع السعودي تحديدا أرض خصبة للتعددات، لكنه يحتاج إلى لحظة وعي روائية كما يحتاج الأفراد لبعد تاريخي مدني في مجتمعاتهم.

وأوضحت أن النقاد يتعاملون مع التجارب الروائية الخليجية بكثير من الحنو حتى لو خالفوا معايير النقد، لأن النقد الثقافي شجعنا على مراعاة خصوصية المجتمعات، ونحب أن نقرأ الصراعات التاريخية في الهوامش على ألا يتحول الضحايا إلى جلادين يجلدوننا سرديا وثقافيا.

وقالت إن الصراع في الرواية لا يعني اقتحام التابوهات "الدين والجنس والسياسة"، بل أن ننظر لها من منظار مختلف، ليس علينا مثلا أن نقتل الأب بل نبحث في الظروف التي جعلت منه أيقونة سلبية تحتاج إلى تحطيم.

المصدر : الجزيرة