محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

يرسم الروائي السوداني عماد البليك في روايته "شاورما" -التي صدرت هذا الشهر عن "دار مومنت" بالمملكة المتحدة- مشهدا سياسيا واجتماعيا عن السودان يمتد لثلاث حقب تاريخية.

وتتناول الرواية العهد المايوي وفترة الديمقراطية الثالثة ثم فترة الإنقاذ الحالية عبر شخصيات تمثلها، في تلازم مع ما عاشه المجتمع السوداني من تغيرات وهزات اجتماعية غير مسبوقة في تاريخه.

واتكأ البليك في سرده على الأشخاص وما يعانونه من أزمات إنسانية واقتصادية ونفسية ومدى انعكاس ذلك عليهم أخلاقيا وعلى المجتمع بأسره، كما حرص على إخفاء أسماء شخوص الرواية والتدليل عليها بصفاتها داخل المجتمع مثل "الأعرج، والسيدة، والخال" في سياق سردي متكامل، اعتمد فيه على واقعية اجتماعية، مما أعاد الذاكرة إلى المدارس السردية الكلاسيكية.

كما ابتعد صاحب "شاورما" عن سيطرة الراوي العليم على عوالم الرواية، وترك لأبطاله حرية التعبير عن أزماتهم على الرغم من محاولته إبداء صوت الراوي تعليقا على ما أصاب أبطال الرواية من تمزق وتشتت وانكفاء على الذات والبحث عن الخلاص الفردي حتى ولو تجاوزوا المجتمع وانفلتوا منه.

عز الدين ميرغني: الرواية تحكي الواقع دون مبالغة أو شطح خيالي (الجزيرة)

من الواقع
وتأسست الرواية على مبدأ التبني من جانب الثري التركي صاحب مطعم الشاورما الذي فقد ابنه ووجد في تبني بطل الرواية سلوانا له، محاولا ربط مصيره به، وما أصاب البطل من تغيرات جراء ذلك ودخوله في صراع نفسي جراء الثراء المفاجئ وتأثيره على شخصيته.

وهذه الصدمة هي المماثل لصدمة المجتمع وظهور الأثرياء الجدد وما تبع ذلك من تبدلات وتأثيرات أخلاقية واجتماعية ساهمت في هزات عانى منها المجتمع السوداني في الثلاثة عقود الأخيرة، حيث برزت الطبقة الطفيلية واختفت الطبقة الوسطى وظهر الفقر الشديد في المجتمع.

وكان للثراء المفاجئ الذي أصاب بطل الرواية دوره في دخوله عوالم لاأخلاقية ارتبطت بالأثرياء الجدد وتصوراتهم للمجتمع وعلاقتهم القائمة معه على المنفعة والمتعة.

وكانت الحياة السابقة لبطل الرواية متعددة في منشئه من هروب جراء عنف الأب واللياذ بالتشرد واختبار حياة أطفال الشوارع وحياتهم الخارجة عن القانون والمجتمع، "فكرة الهروب لم تكن جديدة، كانت تراودني من مرة لأخرى خاصة مع شعوري المستمر بالغربة في هذا البيت، أبي كان يستمر في أفعاله السيئة، وأمي كانت لا تفعل شيئا.. تتخذ الحياد المؤلم".

ويقول الكاتب عماد البليك للجزيرة نت إنه اكتشف وهو يكتب أنه كان يسجّل ثلاث حقب من تاريخ السودان والأوجاع المستمرة والأنين، وتناول سرديا تفكك المفاهيم الاجتماعية التقليدية ونهاية الأسرة. وبين ثنايا ذلك كان يحاول الإجابة على السؤال الذي يهمه كإنسان يبحث عن مستقبل أفضل لبلده.

عيسي الحلو: البليك اعتمد منهج الرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر (الجزيرة)

نص مفتوح
من جانبه، يقول الناقد عز الدين ميرغني للجزيرة نت إن "شاورما" كتبت بتقنية السيرة الذاتية للراوي، وقد أفادت هذه التقنية في استدعاء جزء من التاريخ المنسي في مجتمعاتنا الحديثة لأنها دخلت بعمق في فجوات الواقع.

وأضاف ميرغني أن الرواية كانت موفقة في عدم تسمية الأماكن جغرافيا، مما ساعد على أن يكون النص مفتوحا على كل المجتمعات الإنسانية.

وأشار ميرغني إلى أن الكاتب استفاد أيضا من تقنية الحكي داخل الحكي، وهو ما جعل الرواية مشوقة، لاسيما أنها تخضع لمنطق الواقع الذي حكت عنه دون مبالغة أو شطح خيالي.

من جهته، يذهب الروائي والناقد عيسى الحلو إلى أن البليك في هذه الرواية يأخذ من الواقع بشكل مباشر ويبدو متأثرا بفكرة بلورة شكل الواقع الاجتماعي وتشابكاته السياسية والاقتصادية، وذاك منهج الرواية الأوروبية في القرن التاسع عشر.

وأشار عيسى إلى أن هذا الاتجاه الروائي بدأ في الاندثار لأن طبيعة العصر الراهن أصبحت أكثر تعقيدا، فالواقع يتجلى في الممكن والمحتمل والمظنون والمتخيل وليس واقعا خارجيا فقط يمكن أن يلتقطه الراوي.

ويؤكد الحلو على أن درامية الرواية الجديدة لا تتبع طريقة واحدة في الكتابة، وهناك طرق متشعبة يسيطر عليها موقف أخلاقي واحد هو المغامرة ومفارقة الجمود والثبات.

أما الناقد عامر حسين فيرى أن الكاتب تطور سرديا منذ روايته "دماء في الخرطوم"، وهذا الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة في الرواية منبعه مدرسة السرد الواقعي الأوروبي.

المصدر : الجزيرة