إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

تمكنت قصة "خربوشة" من أن تثير اهتمام عدد من كتاب السيناريو والمسرحيين، حيث أنجز حولها فيلم سينمائي تحت العنوان نفسه "خربوشة"، من تأليف مشترك للأخوين عبد الباسط وخالد الخضري، وإخراج حميد زوغي.

كما تم اقتباس عدد من النصوص المسرحية لكتاب متعددين، تارة تحت عنوان "حادة"، وتارة تحت عنوان "خربوشة"، ومنهم: خالد الخضري، ميراني الناجي، سالم كويندي.

وكان آخرها العمل الذي قدمته مؤخرا فوزية بندادا، الذي يتميز عن النصوص السابقة بكونه عملا مختزلا لقصّة خربوشة، مؤلفا على مقاس المسرح التّربوي الموجّه إلى فئة عُمرية محددة وحساسة هي مرحلة المراهقة، حيث جسدت الأدوار فتيات من نزيلات دار الطالبة بالخميسات، مثلما وجّهت للجمهور الناشئ.

وهنا يكمن العمل الكبير الذي قامت به بندادا على مستوى انتقاء الحوار والمادة المسرحية وتمثيلها على الخشبة، لتجسيد ملحمة امرأة تريد منها أن تكون قدوة جيل جديد في التمسك بالكرامة والحرية.

المسرحية ركزت على الجانب التربوي في تقديمها للطالبات في الاحتفال بيوم التعاون

النضال بالغناء
تعتبر "خربوشة" -أو "حادة الزيديّة"- من العلامات الثقافيّة الشّهيرة في المغرب خلال القرن الماضي، بالرّغم من أنها لم تكن عضوا في حزب سيّاسي ولا عالمة في كرسيّ جامعيّ ولا مسؤولة في أسلاك الدّولة، بل كانت امرأة أمية عزلاء وسط مجتمع ذكوري قاهر، يطحنه الاستعمار والتخلّف.

أحبت حادة قبيلتها التي جرّدها قائد متسلط اسمه سي عيسى العبدي من كل حقوقها، وخنق أنفاس أهلها الذين تمردوا عليه وشقوا عصا الطاعة، فانتقم منهم ذبحا وتنكيلا، لكن خربوشة لم تستسلم. ظلت تقاوم طغيان هذا القائد الجبار بما أتاها الله من قدرة على الغناء ونظم الكلام، مستغلة ما لفن "العيطة" الذي تتقنه من أثر في النفوس، فكانت قصيدة العيطة قناتها كي تبلغ رسالتها إلى العالم الصغير آنذاك، الذي لم يكن يتجاوز القبائل المجاورة.

ولم يرق للقائد فعلها ذلك، واعتبره مسّا بشخصيته وبسيادة الدولة، فسلك معها كل السبل كي يردعها ويثنيها عن عملها، من تهديد ووعيد وإغراء... دون أن تتنازل قيد أنملة عن خطها الفني الذي كان يفضح أفعاله وجرائمه ضد الإنسانية، ويهجوه في كل المناسبات والحفلات والأعراس بجرأة متناهية راحت تدهش كل الناس الذين كان يقتلهم الخوف آنذاك.

وفي ليلة ظنها القائد عيسى بن عمر تكون الخلاص بعد أن قرر الزواج من خربوشة عقب محاولة فرارها الفاشلة، لكنها دبرت له مكيدة مرعبة، إذ غنت في ليلة عرسه وأمام كل الأسياد والمدعوّين الثقال، وذوي الشأن في البلد وفي زينة كاملة، أمام أهله ورعيّته وأصدقائه، بما جعله يطأطئ رأسه ذلة طيلة حياته، لتنتهي قصة خربوشة نهاية مأساوية، حيث دفنها القائد حيّة انتقاما من تطاولها عليه وتجاوزها لسلطته. ومع ذلك، ظلّت خربوشة تشمخ مع مرور الزّمن، مكرّسة صورة المرأة المكافحة للظلم بالغناء، المرأة التي لم تلن ولم تستسلم، ولم تخنع أمام الطغيان، في زمن انحنت فيه رقاب الرّجال طوعا أو كراهيّة.

مسرحية تربوية
وعن سياق إنجاز هذا العرض، قالت فوزية بندادا إنه طلب منها القيام بعمل مسرحي لفائدة الطالبات على أن يدرجوه ضمن الاحتفال السنوي الذي يقام بمناسبة يوم التعاون الوطني، فاقترحت التعرض لموضوع يخص المرأة المغربية واستعرضت عدة نساء مغربيات، وفكرت بداية بالشخصية التاريخية كنزة الأمازيغية ثم بفاطمة الفهرية، وواصلت التنقيب إلى أن اهتدت لشخصية "خربوشة الزيدية"، وقرأت عنها بحثا تاريخيا كان الأقرب إلى الحقيقة التي احتوت قصتها مع القائد "عيسى ولد عمر"، فأعجبت جدا بهذه الشخصية الثورية، وبشجاعتها التي بثتها في أوصال أبناء أولاد زيد الذين ثاروا ضد همجية واستبداد هذا القائد الظالم زيادة على خيانته وتواطئه مع الأجهزة الاستعمارية آنذاك، وهو الشيء الذي قوى شوكته حتى في مواجهة عامل الملك على مدينة آسفي آنذاك، سي قدور.

ويبرز هذا الاختيار البعد التربوي الذي ميز العرض، حيث سعت بندادا إلى تقديم نموذج للمرأة المقاومة لكل أشكال العسف والقهر، بكل ما تملك من مقومات، حتى لو تعلق الأمر بالتضحية بالنفس في سبيل التمسك بالكرامة الإنسانية التي لا يستساغ العيش من دونها.

المصدر : الجزيرة