عبد الغني المقرمي-صنعاء

يوشك سوق الكتاب في اليمن أن ينفضّ.. فبعد التناقص المهول في أعداد المكتبات التجارية، وتحول كم كبير منها إلى مواد قرطاسية جاء الدور على المكتبات العامة التي كان الهدف من إنشائها توفير الكتاب ووضعه في متناول القراء والباحثين، والإسهام في تأسيس مجتمع قارئ يكون فيه الكتاب خير جليس والمعرفة خبزا يوميا.

وقد تراجع دور هذه المكتبات تراجعا صادما بفعل التحولات التي فرضت على الحياة العامة أنماطا جديدة من التفكير من جهة، وبسبب انعدام وسائل جذب القارئ لدى هذه المكتبات من جهة أخرى، مما جعل هذه المكتبات تبدو قاعات خالية، هجرها الناس إلا القليل ممن لا يزال للكتاب بهجته ومكانته لديهم.

قائد البدح: أسباب كثيرة أدت إلى هجران مكتبة دار الكتب (الجزيرة)

أقدم مكتبة
"دار الكتب" في مدينة صنعاء واحدة من هذه المكتبات التي انفض عنها روادها من القراء والباحثين، إذ يلحظ الزائر لها قاعات مهجورة، ورفوفا مثقلة بالكتب لا تجد من يمد إليها يده، وصمتا قاتلا لا يقطعه غير تحركات الموظفين هنا أو هناك.

وفي حديث للجزيرة نت، يفيد الأستاذ قائد البَدِح أحد مسؤولي الدار بأن هذه المكتبة تُعدّ أقدم مكتبة عامة في اليمن، افتتحت عام 1971 على نفقة دولة الكويت، وزودت بكم هائل من الكتب تمثل مختلف ضروب المعرفة، وفيها قاعتان كبيرتان للقراءة أعدتا إعدادا جيدا لهذا الغرض، وقد ظلت هذه المكتبة على مدى عقود خلت مقصدا للقراء والباحثين، وزاد من أهميتها أنها الجهة الرسمية المخولة بمنح تصاريح طباعة الكتب وأرقام الإيداع، مما جعلها مستقرا لكل جديد من ثمار المطابع.

وعن الوضع الحالي للدار يبدي البدح قدرا كبيرا من الأسف، فهي -على حد قوله- أصبحت مهجورة بسبب تراجع القراءة الذي تشهده الساحة اليمنية، ولأسباب أخرى تعود إلى الدار التي لم تطور من أنماط أدائها ولم تتوسع في مقتنياتها من الكتب بسبب قلة الدعم المادي، وبسبب اقتصارها على الكتاب الورقي في عصر الوسائط التكنولوجية المتعددة التي لا تمتلك الدار منها شيئا.

فائز فارع: أساتذة الجامعات يساهمون في قتل الدور المعرفي لمكتبات الجامعة (الجزيرة)

المقررات الجامعية
ولا يختلف الأمر كثيرا في مكتبات جامعة صنعاء بمختلف كلياتها، ويتحدث الأستاذ فائز فارع أحد باحثي الجامعة عن وضع مزرٍ لهذه المكتبات، أبرز ملامحه خلوّ هذه المكتبات من الكتب والمراجع الحديثة، وعدم وجود أقسام خاصة بالبحوث العلمية، وانعدام الوسائط المعرفية الحديثة، وإيكال مهمة إدارة هذه المكتبات إلى موظفين غير مؤهلين، وإقفال هذه المكتبات أبوابها في وجه القراء بسبب انشغال القائمين عليها بأكثر من عمل داخل الجامعة.

ويؤكد فارع أنَّ غالبية أساتذة الجامعة يساهمون بشكل لافت في قتل الدور المعرفي لهذه المكتبات من خلال تلك الكتب التي يؤلفونها كمقررات جامعية، ثم يبيعونها بأثمان باهظة للطلاب، معتبرين إياها مراجع جامعة مانعة، مما أضعف النزعة البحثية لدى الطلاب بعدم البحث عن مراجع أخرى.

ويستغرب فارع من ذلك الكم الهائل من رسائل الماجستير والدكتوراه في التخصصات المختلفة والتي تعجُّ مخازن الجامعة بنسخها الورقية، ومع ذلك لا يُستفاد منها شيئا لأنها حبيسة الإهمال والنسيان.

تراجع مستمر
في مكتبة مؤسسة الإبداع للثقافة والفنون بصنعاء -وهي مؤسسة ثقافية أهلية- يلحظ الزائر قدرا كبيرا من الترتيب والتنظيم، كما يشاهد قاعة متخصصة للحاسوب مرتبطة بشبكة الإنترنت تقدم خدمات بحثية مختلفة، وقاعات أخرى للصحف والدوريات المحلية والعربية، وأقساما للكتاب الإلكتروني، لكنّها لا تختلف عن سابقاتها في ندرة الزائرين وقلة الرواد.

ويتحدث مسؤول المكتبة الأستاذ قائد عبد الجبار عن ميزانية مرصودة تلبي كافة تطلعات المكتبة، مؤكدا أنّ وضع المكتبة من حيث نسبة إقبال الزائرين في تراجع مستمر، ويمكن القول -يضيف قائد- أنَّ ما تمر به البلاد من اضطرابات سياسية انعكس على مجمل الأنشطة ومنها النشاط الثقافي.

ويبدي قائد تخوفا كبيرا من عوز قرائي قادم، بدت نُذُرُه واضحة جلية في هذا الانصراف القاتل عن هذه المكتبات التي ستجد نفسها مضطرة لإغلاق أبوابها، مؤكدا أن هذا المآل أصبح غير بعيد.

وعلى الرغم من أن هذه المكتبات تقدم خدمة الإعارة المنزلية للقراء، فإن سجلات الإعارة فيها تنبئ عن أرقام كسيحة وواقع قرائي مخيف، على حد تعبيره.

المصدر : الجزيرة