نزار الفراوي-الرباط

تحت عنوان "الجمالية والأيديولوجيا" يتناول الباحث المغربي إبراهيم الحيسن أوجه العلاقة المتشابكة بين الفن والسياسة، منقبا في الأدوار التاريخية التي اضطلعت بها تجارب وأسماء وتيارات فكرية وفنية وثقافية في صنع التحولات الكبرى التي عرفتها وتعرفها المجتمعات.

في الحاضر والماضي، في مناطق تحت نير الاستبداد وأخرى ديمقراطية، ومن مواقع مدعمة للسلطة أو على النقيض من سياساتها، يستعيد الكاتب المغربي المشتغل أساسا بالنقد التشكيلي، قصة علاقة معقدة تربط بين عالمين ومنطقين مختلفين افتراضا، بين محترف الفن الذي تحفزه ملكات الخلق والإبداع والانحياز المطلق لقيم الجمال والإنسانية، وفعل سياسي تؤطره هواجس التدبير العملي وتجاوز الأزمات وتحقيق المصالح والفوز في المعارك التي يفرضها محيط متغير.

وتكمن قوة الكتاب الصادر ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب (٢٣٥ صفحة) في طابعه الشمولي العابر للفروع الفنية، إذ يقدم مسحا واسعا لسجل رواد الإبداع الإنساني عبر حقب ممتدة في رفع شعلة التغيير والتحديث ومناهضة القيم السائدة، باختلاف مواقعهم بين مفكرين وأدباء ورسامين وغيرهم.

وهي مقاربة تضع الكاتب في مهمة سردية تاريخية اقتضت منه النهل من قائمة طويلة ومتعددة الجنسيات من المراجع المتصلة أساسا بتاريخ الأدب والفن.

فالمؤلف ينطلق من قراءة للذاكرة الجمالية الإنسانية التي تحبل بالعديد من الإبداعات والتعبيرات الفنية، قولية وبصرية، زمنية ومكانية، التي جسدت علاقة الفن بالسياسة في ظاهرها وباطنها، وانطوت على معانٍ سياسية شديدة الحساسية ساهمت إلى حد كبير في إيقاظ الضمير الشعبي وتكسير حدة الرقابة التي تفرضها السلطة على المجتمع.

مجالات الإبداع
لقد كانت للكلمات والألوان والكتل والأحجام والصور والرموز والتراكيب والتكوينات أصواتها الخاصة، وكان للشعراء والرسامين والموسيقيين والمسرحيين والسينمائيين تأثيراتهم القوية التي كانت تتفوق على كل رقابة أو وصاية فوقية يفرضها السياسيون على الوجدان الأدبي والجمالي للشعوب.

على أن الفن لم يكن ضد السياسة دائماً، بل خدمها في الكثير من المناسبات، ووقف الفنانون طويلا إلى جانب نساء ورجال السياسة لتجاوز المعضلات، وحشد التعبئة في الحروب السياسية والفكرية والإعلامية.

فالسياسة -يوضح الكاتب- مجال من مجالات الإبداع الفني بما يتضمنه من أفكار ورؤى وتخييل، وقد تتحول إلى أداة مطواعة في يد الفنان بوصفه صائغا للقيم الجمالية وصانعا للمواقف الإنسانية النبيلة.

الفن لم يكن ضد السياسة دائماً، بل خدمها في الكثير من المناسبات، ووقف الفنانون طويلا إلى جانب نساء ورجال السياسة لتجاوز المعضلات، وحشد التعبئة في الحروب السياسية والفكرية والإعلامية

في مجال التشكيل يستدعي إبراهيم الحيسن روائع كثيرة من تاريخ الرسم في تجسيد موقف الفن من السياسة، بدءا من مايكل أنجلو مرورا بعهد الثورة الفرنسية التي خلد منعطفاتها فنانون كبار من أمثال جاك كلو وأوجين دولاكروا في عمله "الحرية تقود الشعب" والحرب الأهلية الإسبانية مع فرانسيسكو غويا الذي خلد مشاهد الإعدامات.

أما في الثورة الشيوعية الروسية، فقد حورب الفنانون الأحرار مثل كراسموف ورود شينكو، مما يقدم صورة أخرى عن علاقة حدية بين السلطة والفن، ذلك كان شأن الفنان العالمي بيكاسو في وقوفه ضد فرانكو من خلال أعمال كثيرة من أهمها لوحة "غرنيكا".

وتحت عنوان فرعي شديد الدلالة "السخرية من الإمبراطور"، يرصد الكاتب مقولات المدرسة الدادائية بقيادة تريستان تزارا، التي داست جميع القيم الاجتماعية والسياسية محتجة بأنها عديمة الجدوى ومحكوم عليها بالزوال. كان لسان حال هؤلاء يقول "نحن هنا لمهاجمة الحرب والوطن والأسرة والنظام والمنطق. وكثير من الأشياء المماثلة. إننا نريد أن نحطم، أن نكره، أن نشتم، أن نضحك على كل شيء، نضحك على أنفسنا وعلى الإمبراطور".

بين الفن والقهر
ويتجسد الشعور بالمسؤولية تجاه العالم والإنسان بقوة في سجل الإبداع الأدبي كما أوضح المؤلف، مستعرضا نماذج عالمية وعربية من الكتابة التي تستلهم من السياسة وتسائل عوالمها وتضع السلطة على محك الأخلاق والنزعة الإنسانية. تولستوي وأندريه جيد وأوكتافيو باث وبابلو ونيرودا وكونتر غراس ثم محمود درويش وأمل دنقل.

هل يختار الفنان وضع نفسه في حضن سلطة تحميه وتمكنه من الاستفادة من الريع المادي والاعتباري، أم يخوض المغامرة الصعبة في شق طريق الإبداع المستقل المدافع عن قيم الحق؟

ويتوقف الكتاب عند دور الرواية العربية في إدانة أساليب القهر السياسي التي تحد من حرية الإنسان العربي وتشيع أجواء الإرهاب الفكري والتعذيب المادي والمعنوي. وبرزت في هذا السياق أعمال هامة لشريف ختانة ونجيب محفوظ وغسان كنفاني وعبد الرحمن منيف.

ولم يغفل إبراهيم الحيسن في طموحه إلى مسح مختلف قطاعات التعبير الفني في علاقتها مع الشأن السياسي -كفكرة أو ممارسة- الإشارة إلى الفنون الحديثة التي تخوض بوسائلها الخاصة الاشتباك مع قضايا الناس والسلطة والقهر السياسي. ويتعلق الأمر بفن الكاريكاتير بأعلام من طينة ناجي العلي وجورج بهجوري وفن الهيب هوب كشكل موسيقي حضري يحمل في بعض ألوانه طرقا شبابية جديدة في التعبير عن الذات ورفع صوت الاحتجاج، وكذا فن الغرافيتي بطابعه المتمرد والمنفلت من عقال السلطة.

بين الفن والسياسة ليست ثمة مسالك مرسومة سلفا للعلاقة بين العالمين. العلاقة -بصيغة أصح- هي بين الفنان والسياسي. وسلوك كل من الطرفين هو الذي يعطي معنى للحرفتين. هل يختار الفنان أن يضع نفسه في حضن سلطة تحميه وتفسح له مكاناً في الهرم السياسي للاستفادة من الريع المادي والاعتباري، أم يخوض المغامرة الصعبة في شق طريق الإبداع المستقل المدافع عن قيم الحق، حتى وإن صادمت خيارات السلطة وإملاءات المجتمع؟ وهل يقبل السياسي أن يخلي مساحات اجتماعية تنبت فيها أصوات الحرية والإبداع خارج مدار الممارسة السلطوية أم يرتضي وقوف الفنان في طابور الجنود المؤتمرين بسطوته؟ فماذا يتبقى إذن من جوهر الفن؟

المصدر : الجزيرة