أمير العمري*

لا ترتبط شعرية الفيلم بـ"التخريف" الذي لا معنى له كما يتصور البعض في رفض متعجل مراهق لجوهر الفن، بل تنتج عن الإيقاع: إيقاع الصور وتعاقبها، صعودها وترتيبها ثم تناثرها وابتعادها في نسق فني ما يكشف (وقد لا يكشف) عن المعاني والأفكار الكامنة، أو يخفي أكثر مما يكشف، أو يراكم زمانيا قبل أن يبوح ببعض الأسرار. هناك إذن الإحساس الشعري الناتج عن الإيقاع، عن العلاقات التي تتخلق بين الصور (اللقطات والمشاهد) في علاقتها بشريط الصوت.

إن السينما الشعرية ليست هراء، ولا نفخا في الفراغ، بل رؤية لا علاقة لها بما هو كائن في الواقع أو بما يعرف بـ"الإيهام بالواقع"، بل بخيال السينمائي الشاعر، بما يتخيله هو ويجسده ويجعلك تراه كما لو كان يحدث في الحقيقة، في الواقع، فهل من الطبيعي مثلا أن نرى بحارا يفتح معطفه الثقيل وهو يتطلع إلى الكاميرا ثم يشق أضلعه لكي يخرج من بينها طائر يطير محلقا في الأفق؟ وهل من "المعقول" أو "الواقعي" أن نرى رجلا يحاسب نفسه أي صورته التي تتجسد أمامه، بينما يجلس هو أمام البيانو يعزف فيوقفه ويناقشه في حياته ومعناها، وهو يتطلع في نفس اللقطة إلى ذلك الطفل الذي يجسده هو نفسه في طفولته، يحدثه ويتشاجر معه؟

شاعرية المعنى
على سبيل المثال، ترى في فيلم "سحر البورجوازية الخفي" (1972) للمخرج الإسباني لويس بونويل، رجل شرطة يقوم بتعذيب أحد الطلاب الثوريين بأن يضعه فوق أسلاك البيانو ويجلس ويبدأ العزف على أصابع البيانو فتتصل الدائرة الكهربائية المرتبطة بالأسلاك فيتألم الطالب وينتفض جسده بشدة ويصرخ من الألم، وتخرج من بين تلك الأصابع عشرات من حشرات الصراصير بفعل الحرارة الناتجة. فما المقصود من ذلك؟ إنه يرغب في توصيل إحساس ما للمتفرج ولكن بطريقته الخاصة، فلا يأتي أحد ليقول لنا بكل بساطة واستهجان: ما هذا التخريف. هذا ليس فيلما بديعا كما يدعي النقاد بل عملا مقززا، وهل من الممكن أن تكون هناك صراصير أصلا تحت أصابع البيانو، وما الرمز الذي ترمز إليه الصراصير هنا، وماذا يريد المخرج أن يقول لنا من هذا المشهد، وهل يخرج المشهد عن نطاق تصوير عملية تعذيب لطالب فوضوي مشاغب!

ليس من الضروري أن نطالب السينمائي المبدع بتقديم تفسير لكل ما يضعه على الشاشة في فيلمه انطلاقا من قناعاتنا الفكرية الخاصة، فالفيلم الشعري بهذا المعنى يختلف عن العمل الهندسي المرسوم بدقة

كلها أسئلة تعكس فهما ضيقا لجماليات السينما الشعرية التي لا تجيب بالضرورة على الأسئلة ولا تقدم تفسيرات ذهنية واضحة، بل أحاسيس. بالطبع ليس من المطلوب أن نعاقب أصحاب مثل هذا الرأي، فهذا فهمهم، وهذه حدود رؤيتهم.

ما أرمي إليه هنا، أن السينما الشعرية التي تعتمد على قوانين تشبه قوانين الشعر، لا تخضع عادة للمنطق، أو للتفسير المنطقي الدرامي أو النفساني. إنها تمنح المتفرج إحساسا ما قد لا يمكن التعبير عنه بالكلمات أو بالشرح المنطقي، لكنه يدخل، بلا شك، في الجو السائد في الفيلم كما في نسيجه. هذا الإحساس جزء من مناخ عام أو نغمة عامة سائدة في الفيلم (tone). هنا ليس بالضرورة أن يكون لكل لقطة، أو لكل مكون من مكونات اللقطة، معنى ما راسخا في ضمير المخرج/المبدع يريد أن يعبر عنه عن قصد، وأن ينقله إلى المتفرج.

لكن ليس من الضروري أن نطالب السينمائي المبدع بتقديم تفسير لكل ما يضعه على الشاشة في فيلمه انطلاقا من قناعاتنا الفكرية الخاصة. فالفيلم الشعري بهذا المعنى، يختلف عن العمل الهندسي المرسوم مسبقا بدقة، كما يختلف عن سينما الرسالة الاجتماعية التي تصنع لتحقيق هدف تربوي أو سياسي، فهو لا يكون مصمما بقصدية كاملة وتوجيه من خارجه، بل تختلط في داخله الكثير من المشاعر، الأحاسيس، ومن الممكن أن تأتي الرغبة في التعبير عن فكرة ما، فلسفية أو خيالية، أثناء تنفيذ المشهد نفسه، من وحي المكان الذي يدور فيه التصوير، ومن تلك العلاقة الضرورية بل الأساسية بين مخرج مبدع ومصور مبدع، يشاركه النظر إلى الأشياء ويمتلك هو أيضا القدرة على مد الأحلام على استقامتها والبحث عن أفضل الزوايا لتجسيدها في هيئة صور ولقطات.

السينما والموهبة
وقد تأتي لقطات تدخل إلى المشهد تصوَّر بعد انتهاء تصوير المشهد نفسه، عندما يشعر المخرج/المبدع أنه يريدها أن تدعم رؤيته لأنه يراها هكذا. لكن ربما يكون ما يميز السينما عن غيرها من الفنون، عملية المونتاج التي يعاد خلالها تشكيل الفيلم أو صياغته بما قد يغير الكثير من واقع السيناريو المكتوب الذي ليس شرطا أن يكون تفصيليا شاملا جامعا، بل يمكن ألا يزيد عن صفحات قليلة.

تعتمد مسألة الإبداع السينمائي برمتها أساسا على الموهبة، على وجود رؤية للعالم لدى السينمائي المبدع، ومعاناة، ونظرة أعمق للأشياء.. رغبة في الوصول إلى الحقيقة

وتعتمد مسألة الإبداع السينمائي برمتها أساسا على الموهبة، على وجود رؤية للعالم لدى السينمائي المبدع، ومعاناة، ونظرة أعمق للأشياء، رغبة في الوصول إلى الحقيقة (لعلها أقدم رغبات الإنسان في بحثه المعذب عن معنى لوجوده منذ بدء الخليقة)، هامش معقول من التأمل في الحياة، النظر إلى الأشياء بعقلية الفنان وليس المثقف فقط، بروح الشاعر، وليس بذهنية الصانع أو الحرفي الذي يريد أن يقدم عملا متقنا فقط.. فالتصوير والمونتاج والموسيقى والألوان، بل والتمثيل، كلها أدوات لتشكيل الرؤية عند المخرج/المبدع، أما عند المخرج الحرفي فهي أدوات للصنعة.

المخرج/المبدع لا يكون هدفه الأساسي أن يقدم صنعة متقنة، بل ربما لا تكون الصنعة متقنة تماما في أحيان كثيرة. الأمر هنا يتوقف على مفهوم "الصنعة المتقنة".

عندما استخدم راؤول كوتار الكاميرا الحرة المحمولة على الكتف في فيلم "سيرج الجميل" لكلود شابرول (1958) فبدت المشاهد التي صورها مهتزة، اعتبر هذا عيبا خطيرا في حرفية التصوير، لكنه أصبح فيما بعد، من الجماليات الجديدة للصورة. فالمهم هو الإحساس الذي يوجد لدى المخرج/المبدع، ولدى مصوره أو عينه التي يرى بها وهو يصور لقطة بعد أخرى. والمهم أيضا ما يولده المشهد من إحساس لدى المتفرج في النهاية.

السينما الإبداعية في النهاية عالم بأسره. رؤية.. وليست مجرد مشروع يحقق فكرة معينة أو يراهن على ذهنية الجمهور السائدة في وقت معين، وينتهي أمره. إنها عملية فنية أكثر تعقيدا وتشابكا.

______

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة