محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

صدرت عن دار أوراق بالقاهرة مجموعة قصصية على نسق القصة القصيرة جدا للقاص حسام الدين صالح بعنوان "خرطوم الجن".

وحسام من الشباب الذين ظهروا في الساحة الصحفية والقصصية والروائية في النصف الثاني من الألفية الثالثة، ويندرج تصنيفه داخل كتاب القصة والرواية الذين لا يلتزمون بالقواعد المتبعة فنيا في الكتابة القصصية، ويحاولون اجتراح طريق جديد يستوعب رؤاهم، وهذا الضرب من الكتابة يأتي تأثرا بمدارس أوروبية ظهرت في الساحة منذ ثمانينيات القرن الماضي وانسربت عبر دعاة ما بعد الحداثة على المستويات المرجعية الشعرية والسردية.

ولا يجد هؤلاء الشباب فيما سبقهم من كتابات قاعدة يرتكزون عليها، بل يحاولون اتباع خط كتابة ما بعد الحداثة بزاوية فنية، وإن كانت أحيانا تفتقر إلى رؤية تتماشى مع الواقع المعاش.

وهذه المجموعة القصصية القصيرة جدا تندرج في داخل الحكاية الأقصوصة، والتي تحتاج إلى حرفية عالية في الإمساك بالفكرة وتنزيلها كتابيا عبر "كتابة الومضة" التي لا تتجاوز الثواني في الذاكرة، ومن ثم إيضاح الصورة الماثلة خلف أضابير الحكاية من خلال خيال جامح وصورة فوتوغرافية تمضي وئيدا داخل الحاسة السادسة التي تكشف وتسبر غور الجوهر وتبقى في الذاكرة من بدايتها إلى نهايتها على الرغم من قصر الزمن وعدد الكلمات.

وقد برعت في هذا الفن فاطمة السنوسي القاصة التي أدهشت الساحة الثقافية السودانية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ثم توقفت ولم يأت غيرها إلا بمحاولات بسيطة المعنى، والقصة القصيرة جدا يعود ظهورها إلى عصور قديمة، إلا أنها لم تجد مكانا لها داخل حديقة السرد قديما إذ اعتبرها بعض النقاد كتابة غير ناضجة، لأن اختفاء الحدث والاكتفاء بالصورة كثيرا ما يدخل الكاتب في واقعية صحفية لا تتماشى مع فن القصة.

عيسي الحلو: القاص موهوب واختلاف التقييم يتيح حوار الأشكال التعبيرية (الجزيرة)

سرديات الخرطوم
كتب الكثيرون عن الخرطوم وعن تاريخها الاجتماعي والسياسي قديما وحديثا، وعلى الرغم من موقع الخرطوم الجغرافي الرابط بين مختلف الأقاليم فإنها كانت ولا تزال تحتفظ بشخصيتها العاصمية رغم الهجرات والنزوح، ومن أشد الذين كتبوا عنها الصحفي يوسف الشنبلي "جنرال بلا نجوم" والصحفي الراحل محمد إبراهيم حتيكابي "سلسلة مقالات حول الخرطوم أيام زمان"، وإن ظلت الكتابة عن أم درمان شعريا وسرديا الأوفر حظا في الانتشار.

ويتناول الكاتب حسام الدين عبر أقصوصاته الكثير من النماذج المجتمعية لإنسان الخرطوم بإحباطاته وأحلامه ونزعاته وتصوراته ومحاولاته للمقاومة ضد إعصار الفقر والسلطة.

كما أن هذه القصص محاولة لفلسفة الواقع عبر السخرية اللاذعة، والكوميديا السوداء المعتمدة أساسا على بناء القصة القصيرة جدا، وهي المفارقة بين ضدين بزاوية "الضد يظهر حسنه أو سوءه الضد".

تقول قصته "أعلى عليين" "تسلق مجذوب محمد على أعلى مئذنة في المدينة حين تذكر وصيتها لا تكن من السافلين"، كما تقول قصته "طبعا لا..": "قالت له وهي تقرأ في الجريدة الاجتماعية: هل تقبل الفحص الطبي قبل الزواج؟ قال لها: طبعا لا، لأن زوجتي ستقتلني في الحال".

ونلاحظ أن القصة لدى الكاتب تنحو إلى تصوير ما بداخل الشخصية وليس خارجها، وتعتمد على لغة مكثفة أقرب إلى قصيدة النثر، وأغلبها يكون بطلها شخص واحد. ويقول القاص حسام الدين صالح للجزيرة نت إن مجموعته هذه لا تشكل اتجاها جديدا لديه نحو القصة القصيرة جدا لأنها بالأساس كتبت منذ أكثر من سبعة أعوام، كما واجهته آراء سلبية عند كتابتها حول هذا الضرب من الكتابة القصصية مما أدى إلى تأخير دفعه بها إلى المطبعة.

إبراهيم إسحاق: ما يكتبه أصحاب القصص القصيرة جدا طرفة وتأمل وليس قصة (الجزيرة)

حوار الأشكال
ويقول الروائي والقاص إبراهيم إسحاق للجزيرة نت إن أصحاب ما يسمى بالقصة القصيرة جدا يستطيعون أن يسمونها طرفة أو مزحة أو نكتة أو تأملا، ولكنه لا يظن أن القصة القصيرة جدا التي عرفت منذ القرن السابع عشر تستطيع أن تستوعبهم.

في حين يرى الروائي والناقد عيسى الحلو أن الكاتب موهوب، خاصة في مجال القصة، مشيرا إلى أن الرواية والقصة القصيرة وفق مناهج النقد الأوربي الحديث أخذت تتفرع إلى تيارات وأشكال مختلفة، ولا أحد يستطيع إجبار الآخر أن يكتب بهذه الطريقة أو تلك، وهذا ما يتيح حوار الأشكال التعبيرية.

ويذهب الناقد عامر حسين إلى أن حسام صالح قد أعاد للذاكرة أصواتا قصصية قديمة برعت في هذا النوع من الكتابة، وعلى رأسهم الكاتبة السودانية فاطمة السنوسي.

ويضيف عامر أن هذه المجموعة على الرغم من عناوينها الجاذبة التي برع فيها الكاتب فإنها تحتوي على استعجال وعلى كتابات بسيطة في فكرتها لقراءة واقع الخرطوم المدينة التي لا تزال غامضة بإنسانها ومبانيها وتاريخها.

المصدر : الجزيرة