إبراهيم صموئيل*

ما إن قرأت قرار وزير التربية والتعليم العالي في لبنان الصادر حديثاً والقاضي "بإدخال فن وأدب مدرسة الأخوين رحباني في مناهج مواد اللغة العربية وآدابها والموسيقى والمسرح.." حتى خطر لي السؤال التالي: ولماذا لا يكون محتوى القرار مُدرجاً في مناهج التعليم على النطاق العربي أيضاً؟!

فالمثلث الإبداعي الذهبي الذي نشأ من قامات العمالقة فيروز والأخوين رحباني، مثّل ظاهرة فنية أدبية عربية -لا لبنانية فحسب- امتدت في الزمان لما يزيد عن نصف قرن، واتسعت في الرقعة الجغرافية بما يشمل جميع الدول العربية ويتجاوزها، وارتقت بالذائقة جيلاً بعد جيل حتى يومنا الحالي.

فإذا لم تكن ظاهرة إبداعية, بهذا الوزن وتلك الرقعة وذاك الأثر, في الصلب من مناهج التعليم والتدريس، وفي المتن من المقررات والأبحاث التي يجدر بطلاب الجامعات والمعاهد العربية الاطلاع عليها ودراسة جذورها وأسسها ومكوّناتها وإضافاتها النوعية وعوامل استمرارها في رفد فنون الموسيقى والشعر والغناء.. فما عساها تتضمن المناهج التعليمية والبحثية، إذن، فيما يتعلق بهذا الخصوص؟ وكيف يكون تكريم المبدعين العرب وتقدير نتاجاتهم -عملياً- إن لم يجرِ مجرى القرار هذا وما شابهه؟

إبداع شعري
ودارسو تاريخ التجربة الفذّة هذه يدركون أن كلّ ما كتبه الأخوان رحباني (وأحرص على ذكرهما معاً، كتابةً وألحاناً، التزاماً واحتراماً لخيارهما في تقديم اسميهما معاً طيلة التجربة) لأغنيات الكبيرة فيروز وأعمالها المسرحية إنما كان شعراً عظيماً، ونثراً رفيعاً، لا يقلاّن جمالاً وعمقاً وأهمية عمّا قدّمه كبار كتّاب الشعر والنثر في العربية.

على الغالب، وبنسبة عالية جداً، كان يُنظر إلى الأخوين رحباني كمبدعين كبيرين في الموسيقى والتلحين، أرفقا ألحانهما بـ" كلمات" متميزة! بمعنى أنه لم يتمّ التعامل معهما على أنهما شاعران كبيران أيضاً، في الوقت الذي كانا كذلك حقاً، إذ أن نصوص أغنيات فيروز المكتوبة من قِبل الأخوين كانت شعراً بديعاً، ارتقى في سويته الفنية والتعبيرية إلى مصاف الكبار من أمثال سعيد عقل وطلال حيدر وغيرهما.

كان يُنظر إلى الأخوين رحباني كمبدعين كبيرين في الموسيقى والتلحين أرفقا ألحانهما بـ" كلمات" متميزة. بمعنى أنه لم يتمّ التعامل معهما على أنهما شاعران كبيران أيضاً وهما كذلك فعلا

وفي هذا السياق, فإن المرء ليستغرب كيف كانت تُعقد الندوات أو تُقام مهرجانات الشعر في زمنهما من دون أن تتمّ دعوتهما كشاعرين كبيرين من جملة كوكبة شعرائنا الكبار، لما أنجزاه في مسيرة الشعر العربي الحديث, ولما أثريا به الثقافة العربية والذائقة الفنيّة للناس؟ وفيما أرى, فإن شعر الأخوين رحباني, الذي ظهر عبر أغنيات فيروز, لينضمّ بجدارة إلى ديوان الشعر العربي الحديث, بل وليتخذ مكانة مميّزة  في خارطة الشعر, منذ بدر شاكر السيّاب إلى اليوم, بالنظر لقربه من الناس وتأثيره الشديد بهم. 

إننا لنستطيع من خلال تجربة الإصغاء إلى أغنيات فيروز المتنوعة أن نلاحظ بيسر كيف سيلتبس علينا تحديد مصادر الغبطة الداخلية والألق الروحي والعذوبة السمعية فيما إذا كانت من صفاء الصوت وسحره، أم من عذوبة الألحان ودفئها، أم من عمق الكلمات والأشعار ورفعتها؟

وتلك، فيما أرى أيضاً، سمة أخرى من سمات عديدة تُميّز التجربة الفنية الإبداعية للمثلث الذهبي، وتمنحها خصوصية قلَّ نظيرها من حيث التوازن بين مكوناتها الثلاثة من جهة، وسموّها معاً إلى المستوى الرفيع ذاته, من جهة أخرى.

نبل فيروز
وبصرف النظر عمّا تناقلته وسائل الإعلام المرئية والمقروءة من أخبار وتصريحات عديدة تتعلق بالإرث الفني للأخوين رحباني بعد رحيلهما، وبمن يملك الحقوق المادية والفنية من أبناء الأخوين، وبصرف النظر عن الدعاوى القضائية الصريحة لمنع السيدة فيروز من تقديم أعمال سابقة لها، وحملات التضامن مع فنانتنا التي شهدتها شوارع بيروت.

بصرف النظر عن ذلك كله، فثمة ما لا يرقى إليه شكّ أو اختلاف وهو أن المنجز الغنائي والمسرحي الضخم صار جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة وذائقة ووجدان أبناء العرب جميعاً، يصعب, بحال من الأحوال, فصم العُرى الوثيقة بين مكونات هذا المنجز أو منح الفضل لطرف أكثر من الآخر, وفق ادّعاء بعض المشاركين في النزاع!!

حرص الأخوان رحباني، كما حرصت السيدة فيروز، على إشادة صرح فني شامخ يتصل بماضي الموسيقى العربية اتصالاً صميماً، ويجدّد في معمارها

والأمر الآخر الجدير بالإشارة إليه هو أن هذا المنجز لم يسكن برجاً عاجيّاً يوماً، بل تغلغل في الصميم والعمق من عذابات المغلوبين والمسحوقين, وفي القلب من عشاق الحرية، والتائقين إلى الحب العظيم، وكذلك في النسيج من أحلام الناس وآمالهم وهمومهم وانكساراتهم واحباطاتهم، وفي الصلب من مفردات العيش, وغير ذلك الكثير من تفاصيل أوجه حيوات الناس، كل الناس.

لقد حرص الأخوان رحباني، كما حرصت السيدة فيروز، على إشادة صرح فني شامخ يتصل بماضي الموسيقى العربية اتصالاً صميماً، ويجدّد في معمارها ويطوّر ويضيف، وهو ما تحقّق لهم، بل تحقق لنا، وبات ثروتنا الإبداعية الكبرى.

وأخيراً, أجد في نفسي رغبة قوية للإشارة إلى النبل الجليل الذي اتّسمت به العظيمة فيروز، بعد رحيل الأخوين رحباني، حين انسحبت من الأضواء جرّاء مرضها, من دون أن تتنازل عن مرتبة الشرف التي عُرفت عنها طيلة مسيرتها الفنيّة, ودون أن تتهاون أو تضعف أمام مغريات من أي نوع -على غرار ما شهدنا من ضعف العديد من الكبار, مع الأسف!- فحقّ لها, وللأخوين الحاضرين في غيابهما, واجب ضمّ منجزهم الإبداعي الكبير إلى مناهج الجامعات والمعاهد ليس في لبنان فحسب, بل على النطاق العربي أيضاً.
_______

* كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة