عبد الغني المقرمي-صنعاء


تحتل الأناشيد الصوفية حيّزا كبيرا في المشهد اليمني، فهي مشترك فني تلتقي فيه مختلف الأجيال وتحضر بفضاءاتها المختلفة على مدار العام، لكنها في شهر رمضان تؤكد حضورها أكثر من غيره من الشهور، وخاصة عبر تلك الأمسيات الإنشادية التي تحتضنها أسمار الشهر الفضيل في تناسق باذخ الجمال بين الدين والفن.

ورغم استئثار وسائط الإعلام الحديثة باهتمام الناس فإن مجالس الإنشاد الصوفي ما تزال مستعصية عن الغياب، ومحافظة على بقائها حية متجددة في أوساط المجتمع اليمني في المدن والقرى، وظلت مفتوحة لكل عشاق هذا النوع من الفن، يلتقون في أسماره حول الكلمة الجميلة واللحن الآسر والصوت العذب، محلقين في عوالم رحيبة من الدهشة والإثارة.

سر الروحانية
يؤكد رئيس جمعية المنشدين اليمنيين علي محسن الأكوع في حديثه مع الجزيرة نت أن الأناشيد الصوفية هي الواجهة الفنية الأكثر حضورا في رمضان، وأن اجتماع الناس لساعات عديدة في ليالي هذا الشهر في أجواء مفعمة بالروحانية يستدعي حضور الأدب الجميل والموعظة الحسنة والأنشودة الساحرة التي يعدها عشاقها نفحة جمالية من نفحات هذا الشهر الجميل.

الأكوع: الإنشاد الصوفي يغلق أبوابه بقوة
أمام
الأدعياء
(الجزيرة نت)

كما يؤكد أن الفن الصوفي في اليمن أكثر الفنون الغنائية "نقاءً"، فإلى جانب اختياراته الحريصة للنصوص الشعرية، هو مكان خصب لكل الأصوات الجميلة التي تمتلك جمال الأداء معززا بثقافة فنية مختلفة بالمقامات الموسيقية، وبطبقات الصوت، وباستشعار دلالات النص، وتحويلها من كلمات نائمة في السطور إلى مراجل تغلي في الصدور إحساسا وتفاعلا، مشيرا إلى أن هذا الفن يغلق أبوابه بقوة أمام الأدعياء ممن لا تسعفهم مواهبهم في إطراب الناس وإمتاعهم.

وينفي الأكوع نفيا قاطعا تراجع مجالس الإنشاد الصوفي بسبب تسيّد الفضائيات ببرامجها المختلفة، مشيرا إلى أن هذه المجالس ما تزال محط اهتمامات الناس، وتؤدي دورا فنيا كبيرا، ويشهد على ذلك كثافة الحضور في الأمسيات المختلفة التي تُعقد لهذا الغرض.

شعراء ومدارس
بدوره، يشير المنشد صالح المزلّم إلى ثراء هذا الفن وتنوعه واتساعه لنصوص شعرية لشعراء عاشوا أزمنة وأمكنة مختلفة، كشاعر الصوفية الأكبر عبد الرحيم البرعي، والشاعر عبد الهادي السودي، والشاعر جابر رزق، والشاعر الحداد، وغيرهم.

ويتحدث المزلّم في تصريحه للجزيرة نت عن وجود مدارس مختلفة للإنشاد الصوفي: صنعانية وتهامية، وتعزية، وحضرمية، إضافة إلى تيارات إنشادية أخرى تقترب من هذه المدرسة أو تلك. والجميل في الأمر -يستطرد المزلّم- أن هذه المدارس رغم تفرد كل منها بخصائص موسيقية مختلفة، خاصة في مجال المقامات، تجتمع في المجلس الإنشادي الواحد في تناسق عجيب يفيض تنوُّعاً وجمالاً.

المزلّم: هناك مدارس مختلفة
لفن الإنشاد الصوفي في اليمن
(الجزيرة نت)

وعن الألحان التي تؤدى بها هذه الأناشيد، يقول المزلّم إنها ألحان تراثية، وتختلف بسرعة إيقاعاتها ونصوصها من منطقة إلى أخرى، وثمة أناشيد صوفية تستعير ألحان بعض الأغاني التراثية، لكن هذا النوع قليل، بل إن بعض الباحثين يذهبون إلى أن الأغاني التراثية هي التي استعارت ألحان الإنشاد الصوفي لبعض نصوصها.

ويؤكد الدكتور حيدر غيلان المحاضر بجامعة صنعاء وأحد المهتمين بهذا الفن، أن الوعاء الصوفي هو الذي حفظ فن الإنشاد رغم تعاقب الأجيال وظهور أشكال جديدة من الفن ووسائل الإلهاء، مشيرا إلى أن هذا الفن وُلد دينيا بحتاً، ثم انتقل إلى طور فني ليشمل مختلف الطقوس الاجتماعية، سواءً في الأفراح أو الأتراح.

ويؤكد غيلان في حديثه للجزيرة نت أن اجتماعية شهر رمضان تتيح لهذا الفن بروزا أكثر، وخاصة في القرى، حيث يجتمع الناس في المجالس الكبيرة للذكر والإنشاد في ظل الغياب شبه التام لوسائل تمضية الوقت الأخرى.

ويرى أن موضوع "الحب الإلهي" يحتل الصدارة في هذه الأناشيد، شأنها في ذلك شأن الشعر الصوفي، يليه مدح الرسول صلى الله عليه سلم، ثم أغراض أخرى كذكر المشاعر المقدسة والتحذير من الدنيا، والتغني بجمال الآخرة.

المصدر : الجزيرة