نزار الفراوي-الرباط

انطلقت أواخر السبعينيات من القرن الماضي حركة تشكيلية رائدة وطموحة من قلب مدينة "أصيلة" الواقعة شمال المغرب، وتطورت في حضن الموسم الثقافي الدولي الذي اكتسى صيتا عربيا ودوليا.

تلك الورشات التي استضافت مواهب المدينة أينعت وأثمرت قطافا تشكيليا بارزا بات علامة للمدينة وفخرا لها، وأولئك الأطفال الذين تعاقبوا على فضاءات الموسم منكبّين على التعبير باللون والحركة تحت تأطير فنانين محترفين محليين ودوليين، نضجوا ودخلوا مدارات الإبداع التشكيلي من أوسع الأبواب. 

احتفاء بحيوية هذه الحركة الفنية الثقافية المتفردة التي نمت في رحاب مدينة الأسطورة والبحر، وتوثيقا لمسار مشتل تشكيلي ما فتئ يفرز دفعات متوالية من الرسامين المتمكنين ممن فرضوا أسماءهم داخل المغرب وخارجه، تحتضن العاصمة الرباط إلى غاية ٣١ أغسطس/آب المقبل -في واحد من أشهر أروقتها- معرضا لنخبة من أهم خريجي ذلك الموسم السنوي "الأصيلي".

عرّاب المعرض الذي تبنته وزارة الثقافة هو التشكيلي المغربي المعروف محمد المليحي الذي توجد لوحاته ضمن مجموعات فنية محفوظة في المغرب والخارج، وهو مؤسس مشارك لموسم أصيلة الثقافي الدولي إلى جانب وزير الخارجية والثقافة الأسبق محمد بن عيسى. ومن موقعه هذا، فقد رافق تطور مجمل التجارب التشكيلية التي يحتفي بها المعرض، وساعدها على ولوج محافل العرض والتفاعل مع شرائح أوسع من الجمهور والنقاد.

ثمة قاسم مشترك بين أعمال ١٢ فنانا تؤثت أعمالهم فضاء الرواق: روح أصيلة، المدينة المطوقة بأسرار البحر، والهوية المفتوحة على الحضارات، وصفاء اللون والضوء الطبيعي الذي جعلها ملاذا للباحثين عن إلهام عصيّ.

تجارب متميزة
عدا ذلك، فإن الأمر يتعلق بتجارب شديدة التمايز والاختلاف في الرؤى والأساليب، الأمر الذي يؤكده الفنان المليحي الذي يعتقد أن الحركة التشكيلية لأصيلة لم تفرز مدرسة نمطية موحدة، بل مجموعة تجارب فردية تنحو إلى التميز والأصالة الفنية.

الكاتب الزبير بن بوشتي يقدم فناني معرض الرباط بوصفهم خريجين لمُحترَف الطفل الذي راهن عليه صناع موسم أصيلة الثقافي الدولي منذ العام ١٩٧٨ لتكوين جيل رائد من التشكيليين

تتجاور في معرض الرباط لوحات لمعاذ جباري، والبتول السحيمي، ومحمد أمين المليحي، وعبد القادر المليحي، ومحسن حراقي، وحكيم غيلان، ويونس الخراز، ونرجس الجباري، وحسن الشركي، وأنس البوعناني، وسهيل بنعزوز، ومحمد عنزاوي. 

ومن الملفت أن المعرض يحظى بدعم الكاتب المغربي الشهير الطاهر بن جلون الحائز على جائزة غونكور للرواية، والذي كتب تقديما لهذه التظاهرة: "يستحيل الحديث عن تجربة كل فنان منهم على حدة، غير أن الثابت الذي يشكل الجذع المشترك بينهم هو هذا الحضور المجازي، الاستعاري، متخيلا كان أو مبتكرا لأصيلة، كما شهرزاد التي ربحت رهانها، تعرف المدينة كيف تتحايل على الحواجز وتحرر الخيال".

وتبدت أصيلة في أعمال الفنانين "توزع أطرافها كما لو كانت خريطة تمنحنا اتجاهاتها المختلفة ووجوهها المتعددة، وحيثما وليت وجهك فثمة البحر شاهدا لا مناص من حضوره".

في جولة بصرية عبر عوالم اللوحات، يعثر الطاهر بن جلون على "ذكريات بعيدة وأخرى فتية، أحداث عالقة مبهمة إلى حد ما، يتم استعراضها بحرية منتقاة من نعومة ضياء المدينة القزحي. شخصيات، وجوه أسطورية، نباتات، ورود، ظلال تستوطن هؤلاء الفنانين".

ومن جهته، يقدم الكاتب الزبير بن بوشتي فناني معرض الرباط بوصفهم خريجين لمُحترَف الطفل الذي راهن عليه صناع موسم أصيلة الثقافي الدولي منذ العام ١٩٧٨ لتكوين جيل رائد من التشكيليين، وها هم اليوم "ينبجسون على جدران الرواق متخمين بنور مدينة، مشبعين بموسيقى موج صاخب. وِلدان مُخلَّدون في ذاكرة موسم ثقافي أحال قرية صيادين منسية على تخوم المحيط، بين غروب وشروق، إلى أشهر مدينة للفنون في العالم، تحج إليها القارات الخمس مطلع كل صيف حاملة إليها فنانين من كل الأجناس والألوان والألسن والثقافات".

خلاصة جديرة بالتأمل يحيل إليها معرض فناني أصيلة في الرباط: الاستثمار في تنمية المواهب الفنية وخلق فضاءات للتربية على الذوق واللون والجمال، يؤتي أكله.. ولو بعد حين.

المصدر : الجزيرة