"خط ساخن".. أبواب الحرية ونوافذ التغيير
آخر تحديث: 2014/7/4 الساعة 13:57 (مكة المكرمة) الموافق 1435/9/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/7/4 الساعة 13:57 (مكة المكرمة) الموافق 1435/9/8 هـ

"خط ساخن".. أبواب الحرية ونوافذ التغيير

الرواية تنتقل من محاولة الأفراد تغيير أنفسهم إلى الجماهير التي تسعى إلى التغيير مطالبة بالحرية (الجزيرة)
الرواية تنتقل من محاولة الأفراد تغيير أنفسهم إلى الجماهير التي تسعى إلى التغيير مطالبة بالحرية (الجزيرة)

هيثم حسين

تقترب السورية راغدة خوري في روايتها "خط ساخن" من حالة المرأة غير المتقبلة لنفسها وواقعها، بحيث يكون اللهاث وراء عمليات التجميل سبيلا للتخلص من عقد الشعور بالقباحة التي تلاحقها كذنب.

انطلقت خوري من خبر قرأته عن خضوع امرأة بريطانية لـ51 عملية تجميل لتصبح نفرتيتي، لظنها أنها كانت تلك الملكة في حياة سابقة. وتؤكد خوري أن الخبر جعلها تعيد التفكير بما نعيشه ونراه اليوم من الركض وراء الجمال والشكل بأي طريقة كانت، وتحت أي حجة كانت، ودفعها ذلك لكتابة روايتها بحثا عن الأسباب والدوافع والخبايا.  

ترسم الكاتبة في روايتها -نشرتها دار دال بسوريا 2014- شخصيات حائرة مسكونة بقلقها وهواجسها المتجددة "منّة، تالا، طلال، سامح، أليس، إشارة التعجب.." تضيع لديها صيغة البحث عن الذات في لجة الواقع تهربا دائما من المواجهة والاستحقاقات الواجبة. وربما يتجلى الإقدام لدى منّة في مواجهتها شياطينها وقرارها بتغيير شكلها تمهيدا للمصالحة المفترضة مع داخلها ومحيطها معا.

سطوة الحقيقة
تبدأ الرواية بغياب الأم الذي لا يلفت أحدا بداية، الابنة تالا مشغولة بحياتها وكتابتها، تداري عقمها وترجئ مشاريعها تباعا، الابن طلال منشغل بحياته وعلاقاته في العالم الافتراضي، يعوض عقمه وخيباته الواقعية، وما إن يتفقداها حتى يشعرا بتأنيب الضمير بداية، ثم السعي إلى البحث والسؤال عنها.

انطلقت خوري من خبر قرأته عن خضوع امرأة بريطانية لـ51 عملية تجميل لتصبح نفرتيتي، لظنها أنها كانت تلك الملكة في حياة سابقة

تقع الشخصيات تحت سطوة الحقيقة وقوتها الجبارة، ترضخ للأمر الواقع، تعترف بخسارتها في معارك جانبية، تسعى للحيلولة دون السقوط المدوي. يتجلى الاعتراف كتعبير عن حالات مشابهة، حين تقول البطلة إنها لجأت إلى القراءة، تهرب من الواقع وتبني بيوتا وتؤلف قصصا، تغير من سيناريوهاتها لحظة يضعف تأثيرها من كثرة ترديدها، لكن جهودها كانت تتبخر دون أن تترك وراءها أثرا بمجرد أن تقف أمام المرآة محاولة ترديد بعض عبارات الثقة بالذات.

دانا تعترف بأن هناك أمورا في الحياة لا تستطيع أن تعيش في أرض مسمومة وإن عاشت فسوف تنمو كالفطور السامة، مجرد تذوقها يقتلنا، وهكذا تكون الكتابة في واقع التقييد، وفي ظل خطوط حمراء متغولة.

تشعر فجأة بأنها وببساطة لا تعرف والدتها، هي الكاتبة التي تتباهى بحبها للأعماق، وبمعرفتها بما يفكر الآخر، وبفهمها للإنسان بشكل عام، بدا لها فجأة أن والدتها كانت قريبة منها شكليا، فلم تحاول أن تفسر أي حركة من حركاتها أو رغبة من رغباتها، بل اكتفت بأن تعتبرها والدتها فقط.

وتحكي الكاتبة عن خطوط نارية مكهربة تسوّر البشر وتبقيهم أسرى حدود ملغومة، تجد بطلتها في لحظة المواجهة مع الذات والاعتراف بالحقيقة تقول: لحظة أصبحت وحدي تساءلت: ترى ما الذي يشكل بالنسبة إليّ خطا ساخنا؟ وهل بين الخطوط الحمراء التي تتدحرج حياتنا ضمنها، باستطاعتنا الوثوق بـ"خط ساخن؟".

علاقات ملغزة
يحضر الحديث عن الجسد وتوصيف العلاقة الملغزة بين المرء وجسده وطريقة التعاطي مع الجسد في عيون الذات والآخر، وتجسد الرغبات على شكل نزوات أو هفوات.

تقر منّة بأنها سجينة جسدها، ومن ذاك السجن تقرر أن تقاوم وتتمرد وتبني لذاتها سجنا آخر أكثر رفاهية، وأجمل شكلا، وذلك في مسعى للتماهي مع الصورة النموذجية المتمثلة لديها في "إشارة التعجب" التي شكلت أمامها "طوطم" الجمال، ثم تطعيم تلك الصورة بتفاصيل من أليس لتجمع الجمال المنشود في شكلها.

تتساءل الكاتبة على لسان شخصيتها أنه في زمن التخمة حيث تتعدد الخيارات وتتشعب الرغبات، كيف لا يصبح الجمال فيه أيضا تحت رحمة مبضع الجراح؟!

بموازاة السعي إلى التجميل الشكلي يحضر جانب من الترقيع النفسي، ويتعمم الترقيع ليطال جوانب في العلاقات الإنسانية، ومن بينها البنوّة والصداقة والزواج.

تتساءل الكاتبة على لسان شخصيتها أنه في زمن التخمة حيث تتعدد الخيارات وتتشعب الرغبات وتبحث عن الإرواء بأي شكل أو طريقة، في زمن الإغراء هذا، كيف لا يصبح الجمال فيه أيضا تحت رحمة مبضع الجراح؟!

بدوره، يحظى المكان بأهمية من قبل الكاتبة، فتراها تشير إلى تسميات بعض الشوارع في اللاذقية، وتعود إلى أصل التسمية، من ذلك ما تتحدث به شخصيتها عن تسمية شارع بـ"سوق الصفن"، وتتذكر حديث الجدة أنه كان السوق الوحيد في اللاذقية، وهو شارع تجاري ضيق مع دكاكين على الجانبين تشع بالألوان والبهرجة، من يدخل إليه لا يستطيع إلا أن يتأمل تلك الألوان ويمشي كالمذهول بين الدكاكين، ويختلط عليه الأمر بين الدهشة والحاجة فيصفن.

تلتقط الكاتبة بعض صور العنف المتفشية في المجتمع بطريقة أو أخرى، فيمكن أن تصادف العنف في حلك وترحالك، كأن يلفت انتباهك في الطريق طفل بيده دجاجة حية يمسكها من قدميها، ويلوح بها للأمام والخلف وهو يسير. تتساءل البطلة: من أين يأتي أطفال اليوم بكل هذه القسوة؟ وهي تضمر حقيقة المشاهد الفظيعة التي يتناقلها الإعلام والتي يعج بها الواقع المحبط بالأطفال من كل حدب وصوب.

خاتمة الرواية تحمل بذور التغيير الرهيب الحاصل بعد ذلك، وهي تنتقل من التغيير على مستوى الفرد إلى التغيير على مستوى الوطن، حين تسمع منّة هتافات المتظاهرين المنادية بالحرية، ثم كيف لعلع صوت رصاص مفاجئ، ويكون الإيذان بحرق البلد دفاعا عن سلطة تلجأ إلى العنف خيارا أوحد للاستمرار والبقاء، تصور كيف لملم الطبيب أدواته وخبأها، واعتذر عن إتمام الصفقة.

وتختم روايتها بتصويرها حالة من الرعب والفوضى تسود الشارع جراء استعمال البارود. تردد في قرارتها "وللحرية ليس باب واحد.. بل أبواب متعددة، ولقصة الحرية أكثر من بقية".

المصدر : الجزيرة

التعليقات