حاوره في عمّان/توفيق عابد


سلاحه الكلمة حتى تبقى جذوة المقاومة مشتعلة في مواجهة الظلم.. ورغم ما تعرّض له من محاكمات واعتقالات واعتداءات جسدية، بقي موقفه ثابتا، بل ارتفع صوته أكثر في المقارعة أو المواجهة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى الكاتب الساخر يوسف غيشان أن الأدب الساخر تحريض على الظلم وغياب العدالة، وهو ثورة واشتباك دائم مع الخطوط الحمر لتعرية تناقضات الحاكم العربي بين أقواله وأفعاله.

وحسب غيشان، فإن الساخرين صمام أمان مجاني أمام المجتمعات التي تتجه نحو التغيير.

وفيما يلي تفاصيل الحوار:

من وجهة نظرك، هل للأدب الساخر دور في تطوير الوعي الاجتماعي أم أنه مجرد تنفيس عن الاحتقان؟
أعتقد أن دور الأدب الساخر جزء من دور الأدب عموما، وهو محدود في عالم يتشكل بناء على مصلحة وإرادة كبار العالم وبشكل خاص يمارس دورا تحريضيا وتشخيصيا، فهو أولا يملأ رأس المتلقي ضد الجهة الظالمة، ويهجوها ويفقع بالونات الدعاية و"البروباغاندا" والتفخيم التي تصنعها حولها.

كما يشخّص الأدب الساخر أمراضنا الذاتية، ويسعى جاهدا لكي يجعلنا نعترف بوجودها في البداية تمهيدا لمحاولة التخلص منها لنكون بشرا أفضل.

أما التنفيس.. فحتى لو كانت الكتابة الساخرة تنفيسا فهي تقوم بدورها الإيجابي لأنها تساهم في منع الاحتقان الذي يؤدي إلى الانفجار المدمر. التنفيس يريح الناس قليلا لحين تشكل الأحزاب المعارضة الثورية والصادقة والمنفصلة عن سلطة السلطة ونهوض منظمات المجتمع المدني للقيام معا بواجب التغيير نحو الأفضل.

أيّهما يتفوّق على الآخر في الأدب الساخر.. الموضوع أم اللغة؟
الكتابة الساخرة ثورة على البداهات التقليدية، ولا يمكن الفصل بين اللغة والموضوع والشكل لأنها جميعها مثل الإناء والماء والسمك الذي يعيش فيه، وكل واحد منها بحاجة إلى الآخر.

فالتلاعب بالكلمات وإدخال العامية أحيانا أساليب لتشويق القارئ، لكن يجب أن يكون لديك ما تقوله لتوصله إلى دماغ وقلب المتلقي وإلا تحول النص لمجرد نكتة يضحك منها القارئ ولا يتأثر بها.

غلاف "موسم التزلج على الجليد" (الجزيرة)

يقال إن للمقالة الساخرة تأثيرا أكبر من المقالة العادية، فهل هناك مواصفات معينة للكتابة الساخرة؟
لعل المقالة الساخرة أكثر تأثيرا على الناس لأنها مادة شعبية ومكتوبة بطريقة سهلة ومبسطة، وهي مشوقة ومضحكة أحيانا، لذلك فهي تصل لقطاعات من الناس العاديين ولا تقتصر مطالعتها على المثقفين وأنصاف المثقفين والمتعلمين مثل المقالة غير الساخرة.

كما أن تأثيرها أكثر رسوخا في النفس من المقالة الجادة لأنها مخلوطة بالبهارات التي يحبها الإنسان، ولذلك فهي تفعل فعلها ببطء وبشكل دائب في توريط المتلقي بوجهة نظر الكاتب وتنظيمه في مليشيا الساخرين.

بالنسبة للشروط، فالمقالة الساخرة تتمرد أيضا حتى على شروطها، ومدى نجاحها يعتمد على مدى قبول الناس لها أكثر مما تعتمد على مجمل مواصفات ومقاييس متفق عليها في مطابخ الأدب والصحافة، فالشروط الحقيقية للمقالة الساخرة الناجحة موجودة في دماغ المتلقي.

من هو الكاتب الذي يستحق تسمية "الأب الروحي" للكتابة الساخرة الأردنية برأيك؟
منذ بدايات تشكل الدولة الأردنية كانت هناك كتابات ساخرة، ونعرف جميعا الساخر العظيم عرار "مصطفى وهبي التل" وهاشم السبع، ولا ننسى فخري قعوار أو مؤنس الرزاز ولطفي ملحس وغيرهم، لكن أحدا لم يتفرغ للكتابة الساخرة، وكان علينا أن ننتظر ولادة كاتب ساخر أردني.. فكان محمد طمليه الذي أسس للكتابة الساخرة، ففي زاويته "شاهد عيان" ظهر مصطلح "ساخر" وحمله على ظهره وحيدا كما حمل سيزيف الصخرة بينما النسور تنهش كبده عقابا له على تحدي الآلهة وتعليمه البشر سر النار، حسب الأسطورة.

الساخرون في العالم العربي لا يتنافسون على القمة، بل يخوضون حربا ضد الظلم والجهل والتخلف، لكن تجربتنا الأردنية من أقوى وأفضل التجارب العربية

وحتى بداية التسعينيات اضطرت الحكومات بعد هبّة نيسان للسماح ببعض أنواع الديمقراطية الشكلية التي أدت لظهور كتاب ساخرين من تحت عباءة طمليه.. وكنت أنا أحدهم.

ابتكر طمليه أسلوبا عبقريا في التلاعب بالكلمات والجمل وابتكار التعابير العذراء وخلق علاقات بين الكلمات لم تكن ولدت بعد، لذلك لم يستطع أي منا -نحن الساخرين المحدثين- تقليده أو الاقتراب منه فنيا، وهذا ما أجبرنا على ابتكار قاموس خاص ربما لأننا عجزنا عن نسخ لغة طمليه، لكن هذا كان فأل خير علينا جميعا، إذ رغم بعض التداخلات والتشابكات القليلة فإن كل كاتب أردني ساخر صار يحمل بصمته الخاصة، ويعود الفضل في هذا التمايز للغة طمليه التي يصعب تقليدها.

وهل وصل المجتمع العربي إلى مرحلة تقبّل الأدب الساخر أم لا يشكل عنده سوى نكتة عابرة؟
المجتمع العربي وصل لمرحلة الأدب الساخر قبل غيره من الشعوب، وأدبنا العربي مكتظ بالشواهد على أننا امتلكنا أدبا ساخرا متميزا، لكن إذا كان المقصود بالسؤال هو أدبنا الساخر المعاصر فهو أيضا أدب ساخر متطور كمّا ونوعا، لا سيما وأن الحكام العرب يتركون لنا -نحن الساخرين- مساحة كبيرة للسخرية من تلك التناقضات الرهيبة بين ما يقولون وما يفعلون.. بين ما يدّعون وبين ما هم عليه فعلا، ناهيك عن أن المجتمع العربي مليء بالنواقص الاجتماعية والقيمية التي علينا تشخيصها والسخرية منها تمهيدا لمعالجتنا لعلنا نلحق بركب الحضارة من جديد.

هناك في الأردن كتاب ساخرون قليلون، فأين موقع أدبنا الساخر على الخريطة العربية؟
حتى لو لم يتجاوز كتاب السخرية في الأردن أصابع اليد الواحدة، فهذا العدد كبير بالنسبة لعدد السكان، ومن ذات الناحية فإن عدد الكتاب الساخرين في الأردن أكبر، إذ هناك ساخرون لم تتح لهم الفرصة ولهم إصدارات في مجال الكتابة الساخرة وقد انتشروا ونجحوا في مواقع التواصل الاجتماعي وكسروا احتكار الكتابة الساخرة.. وهم كثيرون وبينهم كاتبات مميزات، وهذه حالة نادرة في العالم، كما تزخر المواقع الإخبارية والساخرة بمقالاتهم وقصصهم وتعليقاتهم الجميلة.

باختصار الساخرون في العالم العربي لا يتنافسون على القمة، بل يخوضون حربا ضد الظلم والجهل والتخلف، لكن تجربتنا الأردنية من أقوى وأفضل التجارب العربية.

غلاف "أطلق قمرنا يا حوت" (الجزيرة)

ولماذا تتجنب المرأة الأدب الساخر في الغالب؟
هناك معوقات كبيرة أمام المرأة في مجال الكتابة الساخرة، فالسخرية أولا مادة عدوانية هجومية هجائية، وهذا ما تفتقر إليه المرأة نسبيا نظرا لطبيعتها الإنسانية الحنونة.

كما تحتاج الكتابة الساخرة للتجرؤ على القيم السائدة، وعلى الساخر أن يشتبك مع الخطوط الحمر ويحاول تجاوزها، وعلى المستوى الأخلاقي تواجه المرأة الكثير من الصعوبات الأخلاقية في مجتمع أقرب للتخلف لذلك تكون لغة الذكر الساخر أكثر ثراء وحرية من لغة المرأة الساخرة، لكن هذا لم يمنع ظهور عدد من الساخرات كهند خليفات وعناية أسعد ومي الشريف.. إنهن يسرن وسط حقل من الألغام المجتمعية بكل جرأة واقتدار.

بمن تأثر يوسف غيشان؟
أستطيع القول إن الكاتب "يتعمّد" ساخرا بماء الناس وليس بماء النقاد و"هذرماتهم"، وصكوك الاعتراف بالكاتب الساخر تصدر من الشعب بأكمله حينما يشعر بأن هذا الكاتب بالذات يعبّر عن همومه وقضاياه ويسخر من الظالمين واللصوص والحمقى.. بمعنى آخر يعبّر عنهم بالتمام والكمال، والفرق الوحيد بينهما (الساخر والشعب) هو أن الساخر يحول مشاعر الناس لنصوص مكتوبة أو مسموعة أو مقروءة أو مؤدية.

وقد تأثرت بكل ما قرأت وسمعت ورأيت، لكني كنت أكثر التصاقا في بداياتي بمظفر النواب وغادة السمان ونزار قباني ومحمد الماغوط وزكريا تامر وأنطون تشيخوف وعزيز نيسين ومارك توين وغيرهم، وكان آخر من تأثرت بهم الراحل الكبير الساخر المصري الرائع جلال عامر.

الأجهزة صارت أكثر ذكاء، فعن طريق ترويع رؤساء التحرير ومن يقوم مقامهم وتهديدهم بالفصل صار من المستحيل نشر ما كان من شأنه أن يزعج الأنظمة

الكتابة الساخرة غالبا ما تقود للمحاكم، فماذا عنك؟
لقد أخذت نصيبي في السابق من المحاكم والضرب والمعتقلات، وكنت أمثل بما معدله ثلاث مرات أسبوعيا أمام قاضي المطبوعات، ناهيك عن اعتقال الجهات الأمنية وتفتيش البيت وترويع صغاري ووضعي في سجن الجويدة شرق عمّان، وكنت ولا أزال اعتبر هذه الأمور بمثابة مضاعفات جانبية لمهنة الصحافة ولا أخشاها ولا أتراجع عن أفكاري.. لكن هذه الأمور اختفت منذ أكثر من عشر سنوات.

لم أتغير أنا شخصيا لكن الأجهزة صارت أكثر ذكاء، فعن طريق ترويع رؤساء التحرير ومن يقوم مقامهم وتهديدهم بالفصل -لأن الحكومة تسيطر على مجالس إدارة الصحف حتى الخاصة منها- صار من المستحيل نشر ما كان من شأنه أن يزعج الأنظمة ولم يعد هناك من داع للمحاكم والاعتقالات.

إنهم يهملوننا الآن تماما، وقد نجح هذا الأمر أكثر من الاعتقالات والترويع.

ما الجديد الذي يحاول غيشان قوله وهو الكاتب الساخر؟
في الكتابة الساخرة ليس هناك ما يسمى "والمعنى في بطن الشاعر"، إذ إن الوضوح والمباشرة أولى شروط الكتابة الساخرة، بصفتها مادة شعبية تسعى لتوريط القارئ في وجهة نظر الكاتب، فلا يمكن أن يلعب الكاتب "حامي-بارد" مع القارئ الذي يتراوح بين ماسح الأحذية والوزير، فالكتابة الساخرة بشكل عام مطلوبة ومحبوبة ومرغوبة نسبيا من الجميع، لأنها مادة عابرة للطبقات والشرائح الاجتماعية.

أما الجديد -غير المبطن- الذي أقوله فهو إن الظلم واحد في جميع العصور، والظالم المستبد المحتل الفاسد اللص له ذات الصفات والملامح العامة في جميع الدول والأماكن، لذلك استخدمت حكايات استخدمها أجدادي من عقلاء المجانين ومجانين العقلاء الذين لم يستطيعوا السكوت عن الضيم والقهر فقاوموه بالسلاح الوحيد المتوفر لديهم، وهو السخرية.

المصدر : الجزيرة