محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

شكل فيلم "جراح الحرية" الذي أنتجته وعرضته قناة الجزيرة الأسبوع الماضي للمخرج وجدي كامل، حضورا بهيا على موائد المتابعين، لما أثاره من قضايا تتعلق بما بعد التحرير السياسي في أفريقيا.

يتناول الفيلم "مذبحة ماريكانا" التي حدثت يوم 16 أغسطس/آب 2012 حين أضرب عمال مناجم مصنع لونمين البريطاني المنشأ مطالبين بتحسين الأجور نسبة لارتفاع أسعار البلاتين عالميا، وكانت النتيجة هي المذبحة التي نفذتها شرطة جنوب أفريقيا التي قتلت 34 عاملا.

وفي اتصال هاتفي مع المخرج عن الدافع الرئيسي وراء اختيار الموضوع، قال كامل إن أفريقيا حاضرة في اهتماماته منذ وقت طويل، ورسالته للدكتوراه عام 1993 كانت عن جماليات السينما الأفريقية.

وأضاف أنه كمخرج اهتم في أفلامه بالجغرافيا الأفريقية في السودان وأنجز قرابة عشرة أفلام عنها، معتبرا أن الأمر هنا يتعلق بقضية مهمة هي العدالة الانتقالية، حيث إن خشيته على الحرية تدفعه للتنبيه من الإساءة إليها.

كامل: مذبحة ماريكانا خيانة لتاريخ النضال
في جنوب أفريقيا (الجزيرة نت)

خيبة أمل
وحسب وجدي، فإن مرحلة البحث أوصلت إلى هذه "الكارثة الوطنية الكبيرة" التي تتقاطع مع مذبحة شارفيل عام 1960 ونفذها النظام العنصري آنذاك، قائلا إن حدوث مذبحة كتلك في أوقات تولّي السود زمام الحكم أودت بالبحث إلى تصميم فكرة الفيلم عليها، ومحاولة قراءة الواقع الآني في ظلالها لما أنتجته من خيبة أمل ضخمة في أوساط الطبقة العاملة الجنوب أفريقية.

واعتبر المخرج أن ما حدث خيانة تتم تاريخيا وحاضرا للحرية من قبل الذين حاربوا من أجل نيلها، حينما يتحول المحررون والثوار إلى قتلة وسارقين لثروات بلادهم.

قضية العدالة
يقول الكاتب والقانوني كمال الجزولي إن الفيلم وضع قضية العدالة الانتقالية على مائدة التشريح، وقدمها بذهن نقدي تحتاجه البلدان المنتقلة من حالة التمزق والاحتراب والتفكك الداخلي إلى منصة انطلاق للأمة وهي في حالة تماسك وإبراء لجراح الماضي.

الجزولي: الفيلم يكشف نقاطا مهمة تنبغي مراجعتها لتحقيق العدالة والمصالحة
(الجزيرة نت)

ويرى الجزولي أن الفيلم يوضح أن الصورة ليست زاهية إلى هذا الحد، فهناك الكثير مما تنبغي مراجعته وإعادة النظر فيه، وأشار إلى أن ما تحقق في جنوب أفريقيا لم يقرن الانتصاف بالكشف عن الحقيقة ثم الانتقال إلى المصالحة، مضيفا أن الدرس الأساسي الذي يقدمه فيلم "جراح الحرية" من الزاوية الفكرية هو أنك لا تستطيع إقناع الضحايا بالكشف عن حقيقة ما جرى فقط كي يكونوا على أهبة الاستعداد للعبور نحو المصالحة الوطنية.

ويضيف كمال أن الفيلم قدم مستوى رفيعا من التقنية وانتقالات بارعة للكاميرا واختيارات وثائقية حقيقية للمشاهد تزاوج بين التاريخي والمعاصر والحديث بلغة سينمائية محترفة.

من جانبه، يذهب المخرج السينمائي الطيب مهدي إلى أن الفيلم اشتغل على العديد من أساليب الفيلم التسجيلي، مثل التصوير الحي والأرشيف والريبورتاج ودلالات الفضاء، إضافة إلى الموسيقى والمؤثرات.

وقال مهدي إن الفيلم بُني في تراكيب مبدعة ساهمت في توصيل رسالته وأضافت إلى قيمته الفنية.

قضية وجودية
أما الروائي عيسى الحلو فقد اعتبر أن هذا الفيلم منفتح المضامين على العالم عبر اختيار دقيق لموضوع يجمع بين المحلي والعالمي والفكري والوجودي، لأن موضوع الحرية بالنسبة لأي قومية موضوع محلي يومي ووجودي، وعلى مستوى آخر تضامن بين الأنا والآخر على المستويين المحلي والعالمي.

الحلو: موضوع الحرية بالنسبة لكل أمة
قضية فكرية ووجودية (الجزيرة نت)

وأشار الحلو إلى أن حميمية التفاعل الفني مع الفيلم جاءت على مستوى القضايا القومية والإنسانية، فالمشاهد السوداني الأفريقي والعربي ينفعل فكريا وجماليا مع مثل هذه القضايا، مضيفا أن المخرج استخدم المونتاج وإعادة تركيز اللقطات ومشاهد الفيلم على مستوي سردي درامي، وأن استخدام التقنيات الفنية كان مدروسا وموظفا توظيفا جماليا رائعا.

من جهته يقول السينمائي ناصر الطيب إن الفيلم تناول المسكوت عنه في جنوب أفريقيا وتحدث عن ماذا كان يريد نيلسون مانديلا، وما يحدث ليس ما أراده مانديلا، رغم أنه حقق تحرير ملايين الناس.

وأضاف ناصر أن المخرج حقق نشاطا في الفيلم التسجيلي بتناوله الموضوعات بمستوى مهني عال، وأن طريقته المهنية تتناسب مع المستوى المهني للقنوات، وهذا مما يساعد في توصيل رسالته كاملة إلى المشاهد.

ويرى الأستاذ يوسف الشنبلي الكاتب الصحفي ومساعد الأمين العام الأسبق لاتحاد الصحفيين العرب أن الفيلم تجسيد لجراح الحرية، وعمال هذا المصنع هم ركيزة الطريق الطويل نحو الحرية.

وأضاف الشنبلي أن المؤتمر الوطني الأفريقي في نضاله ضد التمييز العنصري قام على مبادئ غاندي وصوت السلم، وأن مقتل هؤلاء العمال عقب وصول السود إلى الحكم يمثل انتكاسة لمشروع النضال السلمي.

المصدر : الجزيرة