إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

يعد فيلم "الصوت الخفي" للمخرج المغربي كمال كمال من الأفلام المغربية الجديدة التي نالت التقدير والإعجاب من لدن المتتبعين والجمهور، وحصلت على جوائز مهمة.

ولا يعود هذا الأمر إلى طبيعة الموضوع الذي تطرق إليه الفيلم فحسب، بل كذلك للأسلوب الإخراجي المحبوك، الذي تمت صياغته به.

وقد اسْتَلهم الفيلم مرحلة الاستعمار والماضي المشترك بين المغرب والجزائر للتذكير بالعلاقات الإنسانية الحميمية التي كانت تجمع بين الشعبين الشقيقين، والتي يجب أن تتغلب على الأيديولوجيا التي تسعى الآن إلى التعتيم على هذا الإرث التاريخي العريق، والتشويش على روابط دموية وإنسانية متجذرة دامت عدة قرون من الزمن.

المخرج كمال كمال: الفيلم لا يحمل أي رسائل سياسية ولا يهتم بالصراع الحالي (الجزيرة)

جبهة موحدة
يعود فيلم "الصوت الخفي"، عبر تقنية الاسترجاع التي يقوم بها أحد الناجين من عملية الهروب من خط موريس الحدودي في منطقة بني بوسعيد، إلى المرحلة الاستعمارية التي وحدت بين الشعبين المغربي والجزائري في جبهة واحدة ظلت تقاوم الغزو الفرنسي حتى تحققت الحرية، دون إيلاء أية أهمية للحدود الجغرافية والنزوعات السياسية، التي كانت لاغية حينئذ أمام التحدي الكبير الذي كان يمتحن هوية الشعبين الشقيقين. فما كان يهم هو الصمود لإجهاض المخطط الاستعماري الذي كان يستهدف إفشال حرب التحرير وفرنسة الجزائر.

يفتح الشيخ الجزائري (حسن) ذاكرة معاناته للفتاة الجميلة التي تعرضت لاعتداء بشع من قبل مجهول لذنب لم تعرفه، وهي التي لا هم لها سوى حب الموسيقى والفن والحياة، لتجد نفسها في أزمة نفسية حادة تُعرّضها للانتحار، في محاولة للتخفيف عنها، وبيان أن مصيبتها مهما عظمت لن تصل مرارتها حجم المصيبة التي عانى منها الشعبان الجزائري والمغربي إبان النضال المشترك من أجل الحرية.

وبينما كانت جبهة التحرير المشتركة تؤمن معبرا حدوديا لهروب المدنيين ونقل السلاح والمؤونة، فطن الجيش الفرنسي وطوق طريق الإمداد في منطقة بني بوسعيد، في سعي لخنق جيش التحرير الوطني الجزائري بواسطة حزام مُكهرب ومنطقة عازلة مزروعة بالألغام بطول 430 ميلاً.

في ظل هذا الفخ القاتل، يسعى موسى -وهو صديق مغربي للثورة الجزائرية- إلى مساعدة اللاجئين على اجتياز جبال تلمسان، مرورا بمعبر بني بوسعيد المحاطة بالألغام، فيستعين بهانز -الجندي الشيوعي من "جمهورية ألمانيا الديمقراطية" السابقة- الذي سيفقد إحدى ساقيه خلال محاولته إبطال لغم اعترض سبيلهم.

وكانت تقاليد المقاومة تستلزم قتل الجرحى والمرضى حتى لا يبطئوا تقدّم المجموعة. وبالرغم من كون هانز ليس مسلما حتى يؤمن بفكرة الشهادة، فقد لجأ من تلقاء نفسه إلى الانتحار، بينما تمت تصفية هارب آخر لعدم قدرته على مواصلة المسير، في حين تعرض الثالث للغم شتته أشلاء، وقتل الرابع بنيران صديقة، أما الخامس فينتحر حزنا على موت بعض أصدقائه الذين أصابتهم رصاصات العدو ليتبين -فيما بعد- أن المجموعة تم التضحية بها من أجل إبطال مفعول الألغام لتأمين عملية عبور العتاد والسلاح والمؤونة إلى جيش التحرير من التراب المغربي.

عزام: كورال الأوبرا كان له الحضور الأبرز ضمن مشاهد الفيلم (الجزيرة)

رهان فني
اعتمد المخرج كمال على ذكائه في صياغة القالب الفني لهذا الفيلم، فأسسه على منطق سردي هو "الفلاش باك"، وذلك من خلال فتح ذاكرة شخصية من الشخصيات المعايشة للحدث، كما أنه وظف كافة عناصر التصوير والإضاءة والصوت لخدمة فكرة الفيلم، فتم ترميز الموسيقى لكونها لغة روحية إنسانية مشتركة دالة على الجمال، وهي ذات تأثير بليغ في عملية التلقي عبر كل فيلم مهما كان موضوعه، وهنا استعملت الموسيقى باعتبارها سمفونية توقظ المواجع انسجاما مع روح القصة الدرامية، مثلما جسدت جوهرا جماليا مُستهدَفا، لذلك تم الاعتداء على الفتاة العازفة الموسيقية.

ويؤمن المخرج كمال -حسب الناقد السينمائي حميد المديني- بأن الحرية موسيقى والموسيقى حرية، وهو لا يروقه تاريخ إنساني يكتب روايات متعددة عن شخصين فقط هما البطل والضحية، ولذلك فهو يحاول الابتعاد عن هذه الثنائية وينظر إلى العمل نظرة مختلفة تعطي للفضاءات المهملة قيمة بعد إعمارها بعنصر "الموسيقى"- يضيف المديني- ثم يُخرج منها أبطالا ليحد من نظرة الآخر إلى تفاهتها، ويجعل الانتباه مركزا عليها بشكل قوي، فتصبح ذات معنى خلال العملية السردية.

ويؤكد الناقد نفسه أن كمال -في فيلمه الصوت الخفي- اختار أن يكون كورال الأوبرا سيد مشاهده. فالموسيقى التصويرية حضرت كلغة لترجمة المعاناة الإنسانية، وسافرت بالجمهور إلى عالم قديم كامن بداخله، العالم الفطري المُسيّج بما هو مكتسب من تقاليد ودين ومصلحة.

والأمر نفسه يذهب إليه الناقد الفني إسماعيل عزام في كون الفيلم ركز بشكل واضح على كورال الأوبرا، لذلك ظهر هذا النوع من الموسيقى حتى في اللحظات العصيبة لعملية الهروب.

ويضيف عزام أن الموسيقى التصويرية كانت حاضرة، بشكل أخاذ، في أغلبية مشاهد الفيلم، الأمر الذي ساهم -في نظره- في تقوية معالم المرارة لدى الجمهور الذي كان يتابع كيف تلقى شخصيات الفيلم حتفها في أجواء مأساوية.

ويرى كمال أن الفيلم لا يحمل أي رسائل سياسية، ولا يهتم للصراع السياسي الواقع حاليا بين المغرب والجزائر، بل هو عمل فني يحمل بُعدا إنسانيا بالأساس.

ويضيف مخرج الفيلم أن رهانه في فيلمه كان منصبا على إظهار معاناة شخصياته بشكل واضح في تلك الأوبرا التي كانت جزءا أساسيا من البناء الدرامي للفيلم.

المصدر : الجزيرة