عبد الغني المقرمي-صنعاء

منذ أن تلج قدماك مدينة صنعاء القديمة من مدخلها الجنوبي المعروف بـ"باب اليمن" تشعر بأنك بمعية التاريخ تفردا ودهشة، وعبر زقاق ضيق تقف على جانبيه تلك المباني ذات الطراز المعماري الفريد تصل إلى مبنى ضخم يتربع على مساحة كبيرة وسط المدينة، يشمخ بمئذنتيه إلى الأعلى في حضور زاهٍ تحيط به العظمة من كل مكان.

ذلك هو الجامع الكبير بصنعاء، أول مسجد بني في اليمن، وثالث مسجد بني في الإسلام بأمر من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو بهذا التكريم يمثل استثناء مكانيا من بين مساجد اليمن قاطبة، وفي رمضان يجتمع في باحته الوقورة تفرد المكان والزمان، حيث يتحول إلى مزار وافر الحظوة مقصود من نواحٍ شتى.

بني الجامع الكبير بصنعاء في السنة السادسة للهجرة بواسطة الصحابي الجليل وبر بن يحنس الأنصاري، ثم خضع لسلسلة من الإضافات في العصر الأموي، فالأيوبي، فالعثماني، ويشهد اليوم عملية ترميم واسعة ابتدأت قبل ثماني سنوات وما زالت مستمرة، وقد أنجزت شوطا كبيرا في إعادة تأهيله عبر فرق ترميم متخصصة.

حلقات العلم والموالد تتكثف بشهر رمضان في الجامع الكبير (الجزيرة)

يتكون الجامع من أربعة أروقة، يتوسطها فناء كبير، ويمثل الرواق الجنوبي -الذي تكلل ركنيه مئذنتان شاهقتان- أصل المسجد. وفي هذا الرواق توجد "المسمورة" و"المنقورة"، وهما حجران منتصبان في عمودين من أعمدة المسجد، وفي الثقافة الشعبية أن حلف اليمين بينهما يعد من أغلظ الأيمان، وأن من حلف بينهما كاذبا لحقته المصائب والنكبات، ولا يزال هذا الاعتقاد قائما في ثقافة بعض العامة حتى اليوم، حيث يطلب الخصوم من بعضهم حلف الأيمان في قضايا المنازعات في هذا المكان، لا غير.

ساحة للعلم
يمثل الجامع عبر تاريخه الطويل جامعة علمية عريقة، وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد مرغم -أحد شيوخ المسجد- إن قوافل من العلماء مرت من هنا، وإن أسماء كبيرة في مختلف العلوم والفنون تشكل نبوغها في أروقة الجامع الذي تتنوع حلقات الدرس فيه شاملة علوما عديدة، منها: الفقه والفرائض والمنطق وعلم الكلام وعلوم الفرائض وعلوم الآلة (يقصد بها علوم اللغة العربية من نحو وصرف وعروض وبلاغة).

ويطلق مرغم تنهيدة طويلة متذكرا حال الجامع في العقود الغابرة، حيث كان ملتقى العلماء، ومقصد وفود العلم من اليمن ومن خارجه، وهو اليوم لا يزال يؤدي هذه الرسالة النبيلة، لكن هذا الدور في تراجع مستمر، بسبب ظهور مؤسسات التعليم الحديث من مدارس وجامعات ومعاهد، وبسبب انصراف الناس عن العلماء، حسب تعبير مرغم.

الشيخ مرغم: قوافل من العلماء مرت من هنا (الجزيرة)

وعن وضع المسجد خلال الشهر الكريم يؤكد مرغم أن لرمضان مذاقا آخر في هذا الصرح الإسلامي العريق، حيث تتماهى فيه العبادة وتلاوة القرآن الكريم مع حلقات العلم مع أنشطة أخرى كالموالد الاحتفاليات المختلفة التي ترافق رمضان ابتداء من دخوله، ومرورا بمختلف المناسبات التاريخية فيه كذكرى بدر وذكرى فتح مكة، وانتهاء بتوديعه بما يليق به من التعظيم والإجلال.

ويؤكد الشيخ أحمد الحاتمي أحد مدرسي الحلقات في المسجد أن كثيرا من طلاب الجامعات ينتظمون في حلقات المسجد المختلفة، كل بما يناسب دراسته التخصصية، وهذا الأمر استدعى من القائمين على التدريس في الجامع توسيع حلقات التدريس وتنويعها، مشيرا إلى أن مشايخ العلم في الجامع يمنحون طلابهم المبرزين شهادات تعرف بـ"الإجازات" في العلوم المختلفة، وتزداد أهمية "الإجازة" كلما كانت قوية السند وثيقة السلسلة، إذ يصل سند بعض هذه "الإجازات" إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عبر سلسلة متصلة من العلماء، فالتابعين، فالصحابة.

ويؤكد الحاتمي في حديثه للجزيرة نت أن عامة الناس تقصد هذا الجامع في شهر رمضان على وجه الخصوص للمكانة الكبيرة التي يحتلها في ذاكرة اليمنيين، ولتلك الفعاليات المتنوعة التي تقام، خاصة الموالد التي تتخللها مقاطع من الأناشيد والابتهالات الدينية.

ويبدي الحاج محمد شيبان الهمداني -الذي قدم إلى الجامع من همدان الضاحية الشمالية لصنعاء- كثيرا من الرضا بوجوده في ساحة الجامع خاصة في شهر رمضان، مؤكدا للجزيرة نت أن تردده على هذا الجامع في هذا الوقت عادة يهرب من خلالها من نمطية الحياة إلى عوالم ماتعة تجد فيها الروح والعقل معينا لا ينضب من الأنس والانشراح.

المصدر : الجزيرة