إبراهيم صموئيل*

بعد قيام دار النشر بتنضيد القصص القصيرة التي قدمتها لها طلبت مني تدقيق النسخة التجريبية، وتصحيح ما قد يكون ورد فيها من أخطاء مطبعية، وإجراء بعض التعديلات إن شئت، وذلك تمهيدا لطباعتها بشكل نهائي، ومن ثم توزيعها.

وفي الحقيقة حرت في أمر التدقيق والتصحيح: هل أترك المهمة لأحد أصدقائي أو معارفي، لأنه سيقرأ بعينيه وعقله وعلى نحو حيادي، فيكون أقدر على ملاحظة الأخطاء المطبعية، أم أتولى التصحيح بنفسي مع وجود احتمال قوي لتسرب بعض الأخطاء كوني سأقرأ -مثل مؤلف أي كتاب- بمشاعري ومن خلال معرفتي المسبقة بالنص؟

أخيرا، حسمت أمري وقررت التصحيح بنفسي، ولكن بعد أن عزمت على التنبه الشديد للأخطاء، وعلى محاولة القراءة بحيادية وبمشاعر باردة سطرا فسطرا، الأمر الذي كلفني جهدا كبيرا كأنني أكتب قصصا جديدة، ورغم ذلك فقد فشلت -عمليا- في تحييد مشاعري بالقدر المطلوب، مما تسبب في تسرب بعض الأخطاء كما تبين لي بعد صدور المجموعة!

ما أدهشني أن قراءتي للقصص على نحو ما عزمت -أي بتركيز عالٍ وتنبه شديد- قد منحتني فرصة فريدة للتأمل في تفاصيل النصوص كما لم أتأملها من قبل، إذ وجدت نفسي أتوقف مع جملة هنا وأخرى هناك، مع تعبير كتبته، أو مفردة اخترتها، مع مَثَل دارج أوردته، أو مترادفات تتالت للتشديد على اللحظة، مع افتتاح قصة أنهكني الشغل عليه كثيرا، أو خاتمة في قصة أخرى أربكني إخفاؤها من متن النص.

أقول: أدهشني، ليس لشعوري بالمتعة أو بنقيضها، وإنما لتساؤلاتي التي رحت أطرحها على نفسي بما يشبه التداعي الحر عن جذر تلك الفكرة التي نسجت حولها قصتي هذه؟ وعن الدافع الداخلي الذي جعلني أكرر هذا المثل الشعبي في أكثر من قصة؟ وعن مصدر الشرارة التي أوقدت حقل تلك القصة؟ وسمات مَن مِن معارفي تتشابه مع السمات التي رسمتها لهذه الفتاة أو تلك الشخصية؟ ومن أين استقيت هذا الحوار الدائر بين شخصيتين هنا؟ وعلى ألسنة من كانت تجري هذه المفردات والتعبيرات والاشتقاقات والاستعارات التي تنتشر هنا وهناك في المجموعة؟

ومن حيث يفترض بي أن أراجع النصوص كلمة كلمة، وجملة جملة للتدقيق فيها وتصحيح أخطائها المطبعية، ألفيت نفسي سارحا مع النصوص منذ انبثاق فكرتها حتى الصياغة الأخيرة لها, معيدا كل حجر في معمار القصص -كبيرا كان أو صغيرا- إلى الجبل الأم، أو الصخرة الأصلية الذي اقتطع منها!

وطفقت -أثناء قراءتي- بشكل لا إرادي أُرجع كل قصة في المجموعة إلى رحمها الذي تكونت داخله وخرجت منه: رحم من ذاكرة الطفولة في ربيعها الأول، ورحم كان حادثة لم يتجاوز زمنها طرفة عين، ورحم كان مجرد جملة تناهت إليّ دون أن أتقصد سماعها، ورحم كان سُبّحة من بزر الزيتون معلقة على مرآة سيارة أجرة، ورحم كان فردة حذاء ابنتي النائمة.

ورغم ذلك فإن أرحام القصص لم تكن ما ذكرت فقط، أعني لم تكن ذاكرة الطفولة، والحادثة الخاطفة، والجملة العابرة، والسبّحة، وفردة الحذاء، وإنما أيضا ما لا يحصى من تفاصيل تداخلت مع الأرحام، وانسلت من حياتي الشخصية، وفقر الأحياء التي عشت فيها، وطباع أبي، وطريقة أمي في تدبر الحياة، وصفائح التنك لدارنا القديمة، وكذلك من تخيلات ومنامات وتهيؤات وهواجس وآمال وكوابيس وأحلام كنت عشتها كحقائق لا لبس فيها, أثرت فيّ ووشمت نصوصي.

وما أثار عجبي في تلك المراجعة هو كيف كان تعبير واحد يجر سلسلة من الأحداث والوقائع الماضية، وكيف كانت صورة تتخلق على هيئة جملة، وتستحث فكرة أفكارا لم تكن واردة في ذهني، متدفقة متزاحمة كأني لست صانعها بل مجرد مَعبَر لها إلى الورق.

وعلى هذا النحو من تداعيات الذاكرة دخلت في متاهة ما كنت أقرأ، إذ راحت حكايات القصص، وقصص الحكي تفترش أمامي، وتنفتح أبواب وأنفاق لا تعود إلى الطفولة وحدها، أو إلى أسرتي، أو إلى الكتب والقصص التي قرأتها أو سمعت بها، أو تبدت لمخيلتي.. بل أيضا وأيضا إلى ما لا أدري أنا نفسي, وما لا أستطيع تحديده والتعرف إلى جذره الأساس ونشأته الأولى.

ألهذا يقال: إن من العبث البحث والتنقيب عن جذر قصة أو منشأ رواية لدى كاتب؟ وإن محاولات الكشف عن أسرار الكتابة الإبداعية وخلفياتها، سواء منها الذاتية لدى الكاتب أو الاجتماعية العامة أو الثقافية المعرفية، لا تعدو أن تكون اجتهادات وتأويلات تعكس رغبة ورؤية الناقد أو الدارس بأكثر مما تتقصى ينابيع ومناهل الكاتب؟ وهو ما لا يعني بحال من الأحوال عيبا أو مثلبة في النقد, لأن محاولة البحث عن الأصول الواقعية للمتخيل الإبداعي عمل عصيّ وعويص, أو -في أحسن الأحوال- أشبه بالحديث عن قمة جبل الجليد فحسب، في حين سيبقى الجزء الأعظم منه غائرا خافيا، لا عن النقاد والدارسين والقراء فحسب، بل وحتى عن المؤلفين, أصحاب الكتابة أنفسهم!
____________
كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة