إبراهيم الحجري-آسفي

تشكل القصور والقصبات والمعالم الأثرية القديمة التي تعود لحضارت غابرة تعاقبت على المغرب تاركة بصماتها المادية، واحدة من أهم الكنوز التراثية والمعمارية التي أهلت العديد من المدن المغربية لتصنف ضمن التراث العالمي مثل: مازكان، والصويرة، ومراكش، وآسفي وغيرها.

غير أن الأسلوب الذي تُعامل به هذه المعالم التاريخية الشامخة، وهي تقف صامدة في وجه عوامل التعرية وعاديات الزمن، وتغاضي المؤسسات الوصية عن حمايتها ورعايتها باعتبارها ذخيرة حضارية وطنية وعالمية تؤرخ للوجود الإنساني وعبقريته على مدى التاريخ، يثير شعورا بالمرارة والأسى، ويدفع إلى التساؤل: كيف يمكن أن يكون الإنسان عدوا لنفسه وتراثه المادي وذاكرته الرمزية؟

ذاك هو الانطباع الذي يترسخ لدى زائر معلمة "قصر البحر" القابعة على ساحل المحيط الأطلسي في مدينة آسفي التي تحتوي على العديد من المعالم المعمارية القديمة المحافظة على قوتها وخصوصيتها العمرانية والحضارية.

قصر البحر يمثل تاريخا مشتركا
بين المغرب والبرتغال (الجزيرة نت)

تراث معماري
اكتمل بناء قصر البحر عام 1523، واستدعى إنجازه أكثر من ثماني سنوات من العمل. وتبلغ مساحة قصر البحر نحو 3900م، يعلوه برج واحد للمراقبة، ويسمى هذا الموقع التاريخي باسم "القلعة البرتغالية" نسبة إلى الغزاة البرتغاليين الذين دشنوه باعتباره حصنا عسكريا عام 1508 على المحيط الأطلسي في مدينة آسفي عقب احتلالها إبان القرن السادس عشر. 

وقد صنفت الحكومة المغربية عام 1922 هذا المبنى الأثري ضمن التراث المعماري الوطني الذي تلزم حمايته من التآكل، لكونه ذاكرة حضارة تشهد على المشترك التاريخي الإنساني المغربي-البرتغالي.

ويتميز "قصر البحر" من حيث شكله العمراني عن الحصون والقلاع التي شيدها البرتغاليون في مدن الجديدة أو أزمور أو أصيلة، بكونه يشمل ساحة واسعة جدا، ويشرف على موقع إستراتيجي على المحيط الأطلسي من أجل حماية المدينة من الغزاة، مثلما يتوفر على مخازن للحبوب والأسلحة، فضلا عن صهريج كبير كان يستغل لحفظ الماء.

ونلفي أيضا داخل القصر بابا خفيا خصص لحالات الطوارئ، وهو باب لا يفتح إلا عند قيام حرب أو اشتعال الحرائق. كما يتضمن تحصينات دفاعية على شاكلة الطراز الهندسي الحربي البرتغالي. وكان القصر قبل أن يصبح حصنا عسكريا لحماية المدينة، قد صمم أساسا ليكون مركزا تجاريا نظرا لموقعه الإستراتيجي على الشاطئ وقربه من الميناء، حيث كانت تعبر إليه السلع بكل أنواعها بسلاسة. وقد استغلت ساحة القصر -أحيانا- مخزنا للسلاح، مثلما وظفت فضاءً للتدريب على الرماية والقتال والمناورات العسكرية.

سعيد شمسي يعزو التهديدات المحدقة بالقصر إلى أسباب جيولوجية (الجزيرة نت)

تآكل مستمر
افتتح قصر البحر بصفة رسمية أمام الزوار الذين يفدون إليه من داخل المغرب وخارجه عام 1963، لكن بسبب التشققات الكثيرة تعرضت قاعدته السفلية للتآكل، فقررت السلطات المحلية ووزارة الثقافة المغربية إغلاقه، مخافة انهياره المفاجئ وحفاظا على أرواح الناس وسلامتهم، في انتظار إيجاد حلول عاجلة لإنقاذ هذا المعلم من الانهيار.

ويقول عالم الآثار سعيد شمسي للجزيرة نت إن التهديدات المحدقة بقصر البحر مرتبطة أساسا بالوضعية الجيولوجية الهشة للجرف البحري أموني الذي شيد عليه والتي زادتها تفاقما عوامل طبيعية وبشرية، بمعنى أن هذا الجرف الممتد على مسافة ثلاثة كيلومترات يتعرض لتعرية حادة تتسبب في تآكله بفعل تفاعلات ميكانيكية وكيميائية، مما أدى إلى ظهور تشققات عمودية بالصخرة، وتشكل تجاويف ومغارات أسفلها تهدد قصر البحر وباقي البنيات التحتية المقامة على صخرة الجرف.

ويرى مدير مركز دراسات وأبحاث التراث المغربي البرتغالي أبو القاسم الشبري في حديثه للجزيرة نت أن أهم أسباب تآكل هذه المنشأة العمرانية عاملان رئيسيان: تآكل مهول في حافة الجرف الذي يقف عليه قصر البحر، حيث يتطاير الماء من بئر توجد في ساحة القلعة بنحو 20م في الفضاء حين يكون المحيط في حالة هيجان، بل إن مياه المحيط دخلت تحت القصر ووصلت إلى شوارع مدينة آسفي التي أصبحت هي الأخرى مهددة بالانهيار.

أبو القاسم الشبري يقترح ترحيل الميناء
لإنقاذ قصر البحر من الانهيار (الجزيرة نت)

أما العامل الثاني فيكمن في الارتجاجات الهوجاء التي يحدثها قطار البضائع الذي يدخل الميناء مرات عديدة في اليوم. ويرجع السببان معًا إلى إنشاء رصيف ميناء آسفي عام 1930، حيث وضعت الحواجز الإسمنتية لتغيير وجهة الأمواج، وهو ما ضمن للبواخر الرسو في هدوء، وسبّب في المقابل اضطراب أبراج القصر بعد فترة من الزمن، لأن الأمواج أصبحت تتكسر على بنيان صخرة الجرف التي يستقر فوقها القصر فتتآكل مع تكرار الاهتزازات".

ويضيف شمسي في تصريحات للجزيرة نت مقترحات لتفادي خسارة هذه المعلمة الأثرية، ومنها "ملء المغاور والكهوف بأكياس إسمنتية، وبناء حائط إسمنتي مائل يستند إلى الجرف الذي بني عليه قصر البحر لكي يصد ضربات الأمواج المتلاطمة، إلى جانب بناء حاجز إسمنتي على شكل أرصفة الموانئ ينطلق من البرج الجنوبي حتى جرف الميناء الحالي ليكون بمثابة حاجز للأمواج من جهة ويسمح بإيجاد ميناء ترفيهي".

أما الشبري فيقترح "إذا كان الميناء على رأس أسباب كل أوجاع قصر البحر، فإن ترحيله سيكون أحد أهم أسباب إنقاذ القصر من الانهيار، ثم استبدال الميناء بآخر ترفيهي قبالة قصر البحر، مما سيمكن من تحييد أمواج البحر العاتية والناسفة، ويزيد من جمالية المدينة، ويدر عليها أموالا طائلة بفعل أنشطته الرياضية والترفيهية، الوطنية والعالمية".

المصدر : الجزيرة