عبد الغني المقرمي-إب

يصاب الزائر لقصر الملكة أروى بنت أحمد الصليحي بمدينة جبلة في محافظة إب بالدهشة والخيبة معا، وهو يرى قصر الملكة الذي حكمت منه اليمن من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب أطلالا شاخصة يعربد فيها الخراب، وحيطانا مائلة بلا سقوف، وتاريخا يموت، وليس ثمّة إلا الفراغ المطبق والصمت الثقيل.

الملكة أروى التي حكمت اليمن موحّدا أواخر القرن الخامس الهجري بنت قصرها المعروف بـ"دار العز" على تلة مرتفعة وجعلته معلما من معالم المدينة باذخ العظمة، وتؤكد كثير من المصادر التاريخية التي تحدثت عن الملكة أروى أن بناء هذا القصر تمَّ بعد أن هدمت الملكة قصرا على مقربة منه عُرف بذات الاسم لتبنيَ على أنقاضه جامعها المعروف.

وتشير هذه المصادر إلى ضخامة القصر، واتّساع مرافقه، ودقة إنشائه.. لكنَّ خرائب القصر اليوم تحكي واقعا مغايرا وحالة بئيسة، وسط تجاهل الجهات الرسمية التي نسيت في غمرة توهانها أروى.. الملكة العظيمة وقصرها المشيد.

قصر الملكة أروى من الداخل وقد تهاوت أجزاء كثيرة منه (الجزيرة)

الهاجس الأمني
ويُرجع رئيس الهيئة العامة للمدن التاريخية د. ناجي صالح ثوابة وصول القصر إلى هذه الحالة المزرية لأسباب منها عدم وجود الميزانية الكافية لدى الهيئة لترميم هذا المعلم التاريخي الهام، والحالة الأمنية المضطربة التي يعيشها اليمن، والتي بسببها غادرت البلاد بعثةٌ ألمانية متخصصة بترميم الآثار بعد أن أعدّت الدراسات اللازمة والخطط المطلوبة لترميم القصر، وإعادة تأهيله كمتحف يضم تراث الملكة، وغيرها من الآثار الكثيرة التي تحتضنها هذه المدينة المنسية.

ولا يُنكر ثوابة -في حديثه مع الجزيرة نت- تقاعس الجهات الرسمية عن نجدة القصر، ناعيا في ذات السياق كثيرا من المواقع التاريخية التي يصل عمر بعضها إلى ما قبل الميلاد، والتي أصبحت خرائب تتخطّفُها يد البِلى، وتنعب عليها الغربان.

ومن جانبه يذكر الشيخ مصطفى خالد -في حديثه للجزيرة نت- سببا ثالثا لبقاء القصر بهذه الحالة الخطرة يتمثّل في ادِّعاء أطراف نافذة داخل مدينة جبلة امتلاكها القصر، وقيامها غير مرة بإيقاف أعمال الترميم التي ينفذها الصندوق الاجتماعي للتنمية كمشروع بديل للمشاريع السابقة.

ويستغرب خالد الذي يعمل رئيسا للتحالف المدني، وهو تحالف مهتم بالمواقع الأثرية، من تقاعس الجهات الرسمية في محافظة إب عن حماية هذا المعلم التاريخي الذي هو ملك لليمنيين جميعا، مؤكدا أن بمقدور هذه الجهات توفير الحماية لفرق الصندوق الاجتماعي حتى تتم عملية الترميم على أحسن وجه، وتعويض مدّعي ملكية القصر في حالة ثبوت دعواهم بما يرضيهم، وبما يمكِّن من بقاء القصر معلما تاريخيا عاما كما يحدث في كل بلد.

وعلى الرغم من المكانة العظيمة التي تحتلها أروى في ذاكرة التاريخ اليمني كأول ملكة في التاريخ الإسلامي -يضيف خالد- فإن تجاهلا كبيرا يصدر من مختلف المنابر الثقافية والمؤسسات السياحية تجاه معالمها التاريخية بمدينة جبلة، والتي تزداد سوءا يوما عن آخر.

ناجي ثوابة: عدم توفر الميزانية وتدهور الوضع الأمني سبب إهمال الآثار (الجزيرة)

استغراب
ويستغرب الصحفي باسل الصليحي مما أسماه الصمت المريب لما يحدث لآثار الملكة من قِبَل منظمات المجتمع المدني، سواء كانت أحزابا سياسية أو مؤسسات ثقافية، أو غير ذلك، مؤكدا أنّ هذا التجاهلَ ينمُّ عن غياب الوعي بأهمية هذه الآثار التي هي في حقيقتها سفر تاريخي منظور، وذاكرة حضارة، وجزء من هوية اليمن السعيد.

وأكّد الصليحي للجزيرة نت أنَّ وزارة الثقافة أولت الموضوع اهتماما لكنه غير كاف، لأنه اقتصر على توجيه مذكرات إلى السلطات المحلية في محافظة إب بضرورة تمكين فرق العمل من إكمال ترميم القصر، لكنّ الجهات المانعة كانت أقوى من هذه المذكرات.

وجدير بالذكر أنَّ وزارة الثقافة شكّلت لجنةً برئاسة الأستاذة هدى أبلان نائبة وزير الثقافة -قبل عدة أشهر- لإعداد مشروع بخصوص رصد احتياجات مدينة جبلة لإدخالها ضمن قائمة التراث العالمي، لكنّ أعمال هذه اللجنة توقفت لأسباب غير معروفة، وإلى أجل غير مسمّى.

المصدر : الجزيرة