بوعلام رمضاني-باريس

يعد معرض "نساء المغرب البربريات" الذي تحتضنه مؤسسة بيار بيرجيه وإيف سان لوران حتى يوم 19 يوليو/تموز الجاري، عرسا حضاريا بكل المعايير الممكنة، لما يحتويه من تحف تراثية وتقليدية بديعة متعلقة بالثقافة الأمازيغية، تشفي غليل الشغوفين بالجماليات الأصيلة الخارجة من رحم تاريخ إنساني يضرب بجذوره في عمق الثقافة البربرية المغربية المجسدة لإحدى أروع وأعرق ثقافات الشعوب.

ويأتي المعرض الذي ينظم تحت رعاية الملك محمد السادس تتويجا لتاريخ علاقة المصممين الشهيرين بيرجيه والراحل سان لوران بعالم الأزياء عموما، باعتبارهما من أكبر أساطين الأزياء الراقية والموضة، وأيضا تكريسا لعلاقتهما الشخصية والروحية والثقافية بالمغرب الذي حلا به عام 1966.

فعلاوة على تركيز بيرجيه وسان لوران على التحديث في مجال اللباس النسائي منذ عام 1962، استلهما وطوَّرا أزياء نساء المغرب والصين وإسبانيا والهند وروسيا وكرّما العديد من كبار الفن التشكيلي والأدب من أمثال بيكاسو وأبولينير وكوكتو وفان غوخ.

وكان للمصمم لوران الدور الأكبر في تصميم أزياء العديد من ممثلي المسرح والسينما والباليه بالتنسيق مع الكثير من المخرجين الكبار في فرنسا وأوروبا والعالم، وبلغت شهرته قمتها عام 1983 بمناسبة تكريمه من خلال معرض ضخم نظم في متحف "ميتروبوليتن" للفن بنيويورك.

الحلي البربرية عكست مهارة حرفية مدهشة (الجزيرة نت)

حب مغربي
حاول المسؤولون في مؤسسة بيرجيه وسان لوران منذ انتقالهما إلى شارع "مارسو" الباريسي المخملي عام 1974 التوفيق بين تقديم التراث البربري وتكريم النساء اللواتي يجسدن ذاكرة حضارية وثقافية ما زالت قائمة بفضل غيرتهن واستمرارهن في أداء واجب توريث الأجيال القادمة تقليدَ الصناعات الحرفية المتعددة الأشكال والقوالب والأبعاد.

وبحسب مسؤوله بيورن دلستروم، يتضمن المعرض أجمل مقتنيات المتحف البربري لحديقة ماجوريل في مدينة مراكش بالمغرب، ومتحفي كي برانليه وبارغوا في مدينة كليرمان فيران جنوب فرنسا.

يُذكر أن الثنائي بيرجيه وسان لوران شرعا في مغامرتهما التاريخية مع الذاكرة البربرية المغربية عند شرائهما دار "الحنش" (الثعبان) بمراكش في بداية الأمر، قبل امتلاكهما دار السعادة عام 1974 وترميمها نهائيا عام 1980 بغرض تحويلها إلى متحف للفن الإسلامي، وهو المتحف الذي زيّنه الأميركي بيل ويليس.

وبعد وفاة إيف سان لوران في الأول من يونيو/حزيران 2008، ركز رفيق دربه بيرجيه على الخصوصية البربرية المغربية مقدما طابعا أكثر خصوصية للمتحف، الأمر الذي أدى إلى ولادة المتحف البربري عام 2011، وأسندت مسؤولية التصميم السينوغرافي إلى كريستوف مارتان.

شهادة ابن خلدون
يتمحور المعرض حول ثلاث تيمات هي صور المرأة البربرية كما عُرفت في شمال المغرب بالأطلس الأوسط والأعلى. وشكّل هذا المحور مدخل المعرض الذي عزز بشروحات مكتوبة وخريطة تاريخية وجغرافية وبشاشة ضخمة تبرز نمط حياة نساء المنطقة وظروف معيشتهن ونمط معيشتهن.

ويقرأ الزائر للمعرض في الفقرة التي كتبت تعليقا على الصور، أن الكثير منها التقطت بقوة التهديد الاستعماري في عز ما سُمي بالحماية الفرنسية، ووقّع هذه الصور جان بيزنسنو ما بين أعوام 1934 و1939 بمساعدة من الجيش الفرنسي.

وكان للعلامة ابن خلدون حضور في المعرض أيضا من خلال ما كتبه عن أخلاق بربر المغرب، قائلا إنهم يتميزون بالكرم والشجاعة ويكرهون العنف ويناهضون الاستعباد.

وشمل المحور الثاني من المعرض الصناعات التقليدية في مجالات النسيج والخزف والحلي والزجاج والحياة اليومية والفلكلور، بينما غطى المحور الثالث والأخير الأزياء والحلي، وهو المحور الذي نال إعجاب الجمهور الذي كان في معظمه نسائيا كما كان متوقعا.

المصدر : الجزيرة