هيثم حسين

يقوم الناقد السوري عبد الكريم المقداد في كتابه "تضاريس المتعة" برحلة بحثية في تقنيات القصة القصيرة، سعيا منه لتفعيل جماليات النص القصصي، والابتعاد به عن كل ما يفسد متعته. وحرص على تقديم أمثلة على ما يذهب إليه لإيضاح آرائه وتدعيمها.

يهيكل المقداد في كتابه -منشورات المبدأ، الكويت 2014- الفن القصصي، يجسد بنيته بحيث يرسم له جغرافية مفترضة ذات تضاريس، تروم المتعة في بحرها، معيدا إلى الأذهان الحديث عن غايات الأدب المتمحورة حول المتعة والفائدة، أو "الإمتاع والمؤانسة" من جانب آخر على طريقة أبي حيان التوحيدي.

ويشير بداية إلى اختلاف النقاد المستمر في وضع تعريف جامع مانع للقصة القصيرة، بحيث أن الاختلاف يبدو مفيداً لها وتمثل في عدم تقييدها بضوابط صارمة تمنع عنها محاولات التحديث المتجددة، ويورد مختلف الأقوال عن تأطيرها من حيث عدد الكلمات أو تسميتها في سياقات مختلفة، ما يبرز كنوع من التضييق عليها.

أسئلة ومقاربات
ينطلق الباحث في كتابه من عدّة أسئلة تبدو إشارات تحرّك في تضاريس النصوص التي يستشهد بها أو يطبّق عليها، من تلك الأسئلة: من أين تتأتى المتعة التي يثيرها فينا نص قصصي ما وتدفعنا إلى إعادة قراءته وعدم نسيانه؟ هل هي فكرة النص أم آلية بنائه أم سلاسة سرده أم كل ذلك مجتمعا؟ ما خبايا ومنعرجات الوصول إلى تلك المتعة الجمالية في القصة القصيرة وما الموانع التي تحول دون ذلك؟

ويقسّم كتابه إلى ثمانية فصول "ماهية القصة القصيرة، القصة القصيرة جداً، القصة والحكاية ومتاهة النقد، مشكلات السرد في القصة القصيرة، إدانة المؤلف بجرائم السارد، العنوان.. بحر من الدلالات، البدايات في القصة القصيرة، النقد الثقافي والقصة القصيرة".

وينوه المقداد إلى أن الجانب الأكثر اختلافاً بين النقاد مصطلح "القصة" نفسه، المأخوذ من الغرب دون الالتفات إلى أن مفهوم القصة في التراث يختلف كلياً عن مفهومه في الغرب.

في التراث والقرآن الكريم والقواميس ربط القصة بالإخبار ونقل الأنباء، اعتمادا على الواقعية دون التخييل، في حين أن القصة كمصطلح ومفهوم غربي تحيل على عمل فني جمالي لا ينشغل بالإخبار

ويذكر أن في التراث والقرآن الكريم والقواميس ربط القصة بالإخبار ونقل الأنباء، اعتمادا على الواقعية دون التخييل. في حين أن القصة كمصطلح ومفهوم غربي تحيل على عمل فني جمالي لا ينشغل بالإخبار، ولا يلتفت إلى الحكاية إلا بوصفها عنصراً من العناصر العديدة التي تقوم عليها بنيته الفنية.

ويلفت المقداد الانتباه إلى أن الترجمة خلقت متاهة بمطابقتها بين مفهومي القصة عند الغرب والقصة عند العرب، فراح كثيرون يجاهدون في سبيل إثبات وجود القصة بمفهومها الحالي في التراث العربي ليؤكد على أنه لم يتم استيرادها من الغرب.

ويؤكد أيضا أن الركون إلى الوعي الجمعي أوقع بعض المتابعين في مطبات كثيرة. كما يرى أنه عند الانتقال إلى الأركان والتقنيات التقليدية المؤسسة للقصة القصيرة يصطدم الدارس، حين التطبيق، بأن الحكاية لم تعد الحكاية بمفهومها المتعارف عليه، كما أنّ العناصر الأخرى طالها التغيير والتحول، كالحبكة واللغة والوحدة والمكان والزمان، بالإضافة إلى الطول والقصر وتداخل الأنواع والعلاقة وعدمها مع التراث السردي العربي.

افتقاد الضوابط
ويعتقد المقداد أن القصة القصيرة ما زالت تفتقد إلى ضوابط محددة تعطيها تعريفاً نهائياً مكتملاً كونها منفتحة على مختلف الفنون كالسينما والمسرح والفن التشكيلي والشعر. ويذكر أن إدوارد الخراط أسماها صراحة "القصة القصيدة" نظراً لاعتمادها على التكثيف والتركيز والإيجاز. في حين أطلق عليها آخرون اسم "القصة اللوحة" لأنها التقطت مشهداً مفصلياً فعمدت إلى تثبيته وإضاءته بقوة تأسر القارئ وتدعوه للتمحيص في أبعاده.

ويشير صاحب "نجوم الظهر" إلى أن القصة القصيرة وبحكم شريطها اللغوي المحدود، تلجأ إلى تركيز كل شيء فيها لتضمن الاتساع الدلالي الذي ستخلفه لدى قارئها. إنها تستحضر اللمحة بكامل عنفوانها وحيويتها، وفي أوج توهجها، وتبقي على هذا التوهج دون وضع نهاية تخمده، ما يجعله متأججا في نفس القارئ الذي يستلهم منه الدلالات الحسية أو الفكرية.

ويحاول الباحث تبديد الإشكالات المحيطة ببعض المصطلحات الرائجة، كمصطلح القصة القصيرة جداً، تراه يذكر أنه ما إن يفتح الدارس ملفه حتى تثور في وجهه أسئلة المصطلح والتجنيس والخصوصية وتداخل الأنواع والهوية والأركان والعلاقة بالنادرة والطرفة والنكتة والخبر والمثَل... إلخ. على الرغم من أن هذا الفن السردي أثبت حضوراً متعاظماً على أرض الواقع.

لجأ المقداد في كتابه إلى التركيز والتكثيف، مع محاولة تطعيم البحث بكلمات ذات جذور حسية لتأكيد جانب المتعة واللذة، سواء لذة القراءة أو لذة الاكتشاف

ويُجري الكاتب تطبيقاته الإجرائية على نصوص لكتاب مختلفين من عدّة دول عربية، بالإضافة إلى التنويع في الأجيال.

ومن أولئك الذين تشكّل قصصهم ميدان استئناس واختبار وتطبيق له "زكريا تامر، يوسف إدريس، إدوارد الخراط، إبراهيم أصلان، إبراهيم عبد المجيد، حيدر حيدر، بثينة العيسى، إسماعيل فهد إسماعيل، محمد كامل الخطيب، مروان المصري".. وغيرهم.

ويبدو للقارئ أن المقداد لجأ في كتابه إلى التركيز والتكثيف، مع محاولة تطعيم البحث بكلمات ذات جذور حسية لتأكيد جانب المتعة واللذة، سواء لذة القراءة أو لذة الاكتشاف، ذلك أن أي فصل من الفصول المقدمة يحتمل كثيرا من التجاذب والتفصيل، ويصلح أن يكون حقلاً للمعالجة بمفرده، ولاسيما في ضوء تطور الدراسات المتعلقة بفنون القص والسرد، إن كان من جانب العناصر الفنية أو الشكلية، والتي تتكامل فيما بينها لترسم دائرة العمل الإبداعي.

المصدر : الجزيرة