إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

يسلط الروائي عباد يحيى الضوء في روايته الجديدة "رام الله الشقراء" على الصراع الدائر في الذات الفلسطينية بين التمسك بجذور الهوية، والانصراف خلف الملاهي التي ينصب شراكها الأجانب بخطط محبوكة للشباب الفلسطيني من أجل الإيقاع به، وإبعاده عن التفكير في القضية الأسمى في حياته التي هي الأرض.

يشيّد الروائي عالمه وفق هذا السياق، منتقيا شخصياته من الواقع الفلسطيني، وخاصة مدينة رام الله التي تحتضن جاليات كثيرة ومتنوعة، يهيمن عليها الأجانب، متذرعين بتدخلاتهم الإنسانية في سبيل دعم الشعب الفلسطيني، ورفع البؤس الذي يلحقه جراء الاحتلال الإسرائيلي.

غير أن الرواية تسعى -بشرح دقيق ومفصل- إلى إماطة اللثام عن النوايا الحقيقية لهذه المساعدات والتدخلات التي تستهدف بالأساس إضعاف همم الشعب في استرداد حقه الطبيعي، وكسر شوكة الشباب المتحمس، عبر دس سموم الملاهي والمسكرات والشهوات في دمائهم المتعطشة، وزرع روح العجز في خلاياهم، من أجل صد مقاومتهم وتمسكهم بالأرض، معتمدين في ذلك على أساليب الإغراء بالفتيات الشقراوات، واستخدام الفن المسلي الخالي من الرسالة، وإقامة المبهرجات التي لا تخدم من بعيد أو قريب أسئلة الإنسان الفلسطيني.

تغلغل أجنبي
يطرح الروائي منذ البداية -بريبة كبيرة- مسألة الحضور الأجنبي المكثف في مدينة رام الله المحتلة التي تعرف تواجدا كبيرا للمخيمات الفلسطينية، وأيضا جانبا كبيرا من الجاليات الأخرى.

لكن الأمر المثير للجدل داخل الوعي النصي، هو الحضور الملفت والمثير للاستغراب للجالية الغربية من فرنسيين وإنجليز وإيرلنديين ونرويجيين وإسكتلنديين وأميركيين.. والمريب في هذا الحضور هو طبيعة الأنشطة التي يزاولها هؤلاء في رام الله، وهي أنشطة ملتبسة ومشكوك في أمرها، لأنها تنطلق من خلفيات إنسانية تدافع عن حقوق الإنسان، وتواري وجهها الحقيقي وأهدافها المضمرة خلف هذا الستار، ستار الاهتمام بالمحرومين ومساعدة الأطفال والأيتام ودعم النساء الأرامل والمطلقات، والعناية بذوي الاحتياجات الخاصة والقيام بالأنشطة الثقافية، وترويج الحس الفني والجمالي، ودعم التمدرس بالبلدة، وإحياء سهرات فنية لإطراب السكان، واستقطاب النخبة المثقفة. كل ذلك يتم بدعم من المنظمات العالمية، حكومية وغير حكومية، التي تُضخ في حساباتها البنكية هبات عريضة لا تصدق.

التطبيع يتم من خلال جرعات زائدة لترويج ثقافة مختلفة تعتمد الشهوة والميولات والعواطف والشحنات الغريزية، عبر توظيف مجموعة من الفتيات الشقراوات اللواتي يستملن الشباب

يتدخل الأجانب في تغيير السلوك العام للشباب الفلسطيني من خلال إعادة تشكيل القناعات، وتبديل المواقف من الذات والهوية والآخر.

ذلك أن التطبيع يتم من خلال جرعات زائدة لترويج ثقافة مختلفة تؤسس لقناعات غير أصيلة، تعتمد الشهوة والميولات والعواطف والشحنات الغريزية، عبر توظيف مجموعة من الفتيات الشقراوات اللواتي يستملن الشباب، ويستدرجنهم إلى مسارب اللذة المحرمة أولا، ثم تغيير سلوكياتهم من الإيجابي إلى السلبي، بما يجعلهم يلهثون خلف سراب قضايا هامشية تمس الجسد وغواياته، ويدمنون أسئلة لا تليق بمن يريد استعادة الهوية السليبة، والأرض الضائعة، والثقافة المهددة.

ويشكل المال والمساعدات الأجنبية والأعمال الفنية والثقافية التي تزرع الفتنة وتروج القيم البديلة الهدامة للكيان الفلسطيني، وانتشار الجنس المحرم بين صفوف الشباب والأطفال، بما في ذلك ظهور فئة المثليين، وتفشي ظاهرة الشذوذ الجنسي بين الأجانب، وكذا اغتصاب الأطفال القاصرين، والتغرير بالفتيات في سن المراهقة، مظاهر خطورة الحضور الملتبس للأجانب في رام الله.

يشَرّح السارد في الرواية وضع مدينة رام الله، مراقبا انهيار القيم فيها، من برج عال، دون أن يكون محايدا، فهو ينفعل ويتفاعل مع كل ما يقع، لكن عن وعي بكل اللبوسات التي تتخفى بين السلوكات والأقنعة، متأكدا أن من يخفون وجوههم الذئبية خلف الطيبة المفبركة، وتحت هويات مختلفة، هم إسرائيليون.

هوية مهددة
يطرح هذا النص الروائي بإلحاح، وباستياء، مسألة الهوية الفلسطينية التي تعاني تهديدا حقيقيا مضاعفا بالضياع.

فإذا كانت إسرائيل تكشف قناع رغبتها في طمس معالم الوجه العربي الإسلامي للأمة الفلسطينية بكل الوسائل المتاحة، فإن الهجوم الشرس الذي تشنه إسرائيل المقَنّعة على الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني تعد الأخطر من نوعها، بحكم أنها تشتغل في الخفاء دون أن تكشف الوجه السياسي الخبيث الذي يحركها، وهي غايات طمس الثقافة المحلية تحت ستار فعل الخير، وإنقاذ البشرية، والعطف على المنكوبين والمحرومين من أبناء الشعب الفلسطيني، ومده بالدعم المادي واللوجستي، والنهوض بالتعليم، وإنشاء مؤسسات تعليمية وثقافية، وتدشين مصحات ومسارح ومعاهد عبر جمعيات مشبوهة يديرها شواذ يتلقون عطايا سخية من مؤسسات غربية حكومية وغير حكومية، وتنشط في مدينة رام الله دون محاسب أو منتقد ما دامت تتحرك تحت أغطية إنسانية.

التأثير الذي تمارسه المنظمات الأجنبية لم يستهدف الإنسان ككيان فحسب، بل أيضا سعى إلى تقويض الهوية المعمارية والعمرانية للمدينة أو بالأحرى تشويهها

وتستعمل هذه الحركات المشبوهة التي تلقى الترحيب حتى في صفوف المثقفين "عرّابي الهم الفلسطيني" بلغة الرواية لطمس الهوية الفلسطينية وترويض الفورة الشعبية الغاضبة المناهضة لكل أشكال الاحتلال، وتستخدم الجنس مدخلا لسحر العقول وإلهاء الفكر، حيث تجيش هذه الجمعيات مجموعة من الأجنبيات لاستمالة الشباب الفلسطيني والدخول معهم في علاقات جسدانية وحميمية القصد من ورائها تعديل الرؤى، وتخريب المزاج، وإفساد الخلق، وتأجل التفكير في الهم الأساس، والقضية الأم التي هي طرد المحتل بكل تجلياته.

إن التأثير الذي تمارسه هذه المنظمات الأجنبية التي تهاجم رام الله لتجعلها شقراء، لم يستهدف الإنسان ككيان فحسب، بل أيضا سعى إلى تقويض الهوية المعمارية والعمرانية للمدينة أو بالأحرى تشويهها، مثل تحويل الجامعة إلى مصنع، وجعل بيرزيت مصنعا تكنوقراطيا، وكذا هيمنة سيارات "جي أم سيط السوداء بزجاجها المعتم، وملء جنبات المدينة بلوحات فنية مشوهة تخلو من القيم الفنية، وحديث الشباب باللغة الإنجليزية، وسيادة ظاهرة تربية الكلاب.

وتبدو قمة الاستلاب الذي تشخصه الرواية في وضعية السارد -الشخصية- الذي تحول من باحث عن أفق للقضية الفلسطينية إلى عاشق مهووس يجري وراء شقراء سلبته عقله ووجدانه، وفارقته دون توديعه.

المصدر : الجزيرة