أمير تاج السر*

بالطبع، كل من اعتاد على استخدام الإنترنت، في حياته بشكل يومي، اعتاد أيضا على تلقي رسائل الاحتيال، غزيرة العدد التي ترد عشوائيا إلى أي بريد إلكتروني، بشكل يومي، وبلا كلل.

ترد في شكل رجاء من مصرفي مرموق، في إحدى الدول، يريد الاستفادة من ثروة رجل ميت، ترد في شكل استغاثة من امرأة تحتضر، وتوسمت الخير في شخص افتراضي، ليتولى أمر ثروتها وينفقها في عمل الخير، وترد في شكل قصائد رنانة، من فتيات جميلات يبحثن عن الصداقة، أو فتيات ثريات يردن أزواجا معدمين، ليقاسموهن الثروة، ويمنحونهن المتعة والجمال، بلا مقابل.

أعترف بأنني كنت في فترة من الفترات أقوم بحذف تلك الرسائل بمجرد أن ألمحها على بريدي الإلكتروني، لكني مؤخرا، أخذت أقرأ معظمها بدافع التسلية، وأيضا لما قد تمنحني من إيحاءات أستفيد بها في أعمالي الكتابية، وحدث ذلك بالفعل حين التقطت عدة أسماء لشخصيات معينة، ما كان بإمكاني العثور عليها لولا تلك الرسائل.. أسماء مثل حكيم نبوي، وبابا معتمر، والحاج كبير، وسميتا حسناء غانا الملتهبة، كما سمت نفسها، دخلت كلها في أعمال لي، وكانت مطابقة بشدة للشخوص.

ولعل رواية "إبولا ٧٦"، التي تتحدث عن الفيروس المسبب للحمى النزيفية، المكتشف أواسط سبعينيات القرن الماضي، في منطقة الكونغو، وجنوب السودان، وتكرر ظهوره هذا العام، من تلك النصوص التي امتلأت بالأسماء المميزة الواردة في الرسائل المحتالة.

مؤخرا لاحظت أن بعض تلك الرسائل يملك صياغة رفيعة المستوى، كأنما نحت بقلم أدبي واسع الخيال، وملم بمفردات الفن. وشجعني ذلك على المزيد من متابعة تلك الرسائل، وربما أقوم بإعداد كتاب مستقبلي يتضمن تلك البديعة منها، وذات الأسلوب الراقي.

السيدة براون
من تلك الرسائل الجميلة، واحدة من أرملة اسمها السيدة براون، كما تقول في رسالتها، كانت زوجة لسفير عمل في دولة أفريقية، ومات حين زلت قدمه، واصطدم رأسه بالبانيو الممتلئ بالماء المعطر، ورغوة الصابون الفاخر، لتختلط رائحة العطر برائحة الدم، وتبقى بعد ذلك ذكرى مؤلمة تلاحق الأرملة حتى وهي تحتضر في مشفى لمرضى السرطان، لكنها لا تنسى رجلا افتراضيا وسيما وشهما، يعيش في مكان ما، من الكرة الأرضية، قطعا يحب المشي بشكل كبير، وربما يشجع فريق غانا أو الكونغو، أو يمارس رياضة التزلج على الماء، أو يقضي أمسياته برفقة حسناء شبيهة بنعومي كامبل أو كلوديا شيفر، لكنه سيهب فزعا من حياته الراكدة، بمجرد أن يتلقى رسالة من امرأة محاصرة في مشفى، على وشك الموت، وفي الحقيقة، هي ميتة منذ عهد، منذ ذلك اليوم الذي زلت فيه قدم براون، وتحطم رأسه على حافة البانيو.

أعترف أنني أعجبت بتلك الرسالة جدا، وعلى يقين أن الذي صاغها كان يمكن أن ينافس أمثالي لو تخلى عن محاولات الخداع واكتساب ثروات من الماء العكر، وتفرغ للكتابة الأدبية

هي تراقب عبر نافذة غرفتها، شجرة صفراء الأوراق، تسقط منها ورقة كل يوم وتعرف تماما، أنها ورقة صفراء أيضا، فقط أخطأتها الشجرة.

وهي في ساعات الصفاء القليلة، حين ينقشع أثر المخدر، وتبدو مفاتيح الكيبورد، أزرارا واضحة بلا غشاوة، تستطيع أن تكتب وأن توضح، وتتساءل بعمق: ما جدوى تلك الملايين التي ورثتها عن براون؟ وهل كانت بالفعل ثرية، وفي جسدها خلايا فقيرة من نبض الحياة، ما لبثت أن استسلمت للورم الخبيث بمجرد أن لمحته يتجول في الجسد؟

أعترف أنني أعجبت بتلك الرسالة جدا، وعلى يقين أن الذي صاغها كان يمكن أن ينافس أمثالي لو تخلى عن محاولات الخداع واكتساب ثروات من الماء العكر، وتفرغ للكتابة الأدبية.

شخصية السيدة براون، أستطيع تخيلها بتلك المعطيات الواردة في الرسالة، ويمكن أن أكمل هذا النص في رواية، هي عبارة عن رسالة طويلة من أرملة إلى شخص افتراضي، ليس من الضرورة أن يكون صيدا محتملا، ولكن مجرد وهم تتعثر به مريضة، تستطيع أن تتوهم وتكتب.

لغة منعشة
رسالة أخرى، حملت عنوان: أنا في محنة، ومرسلة من يوسف ترامي، وزير النقل، في إحدى الحكومات، كما تقول الرسالة، وهي بالطبع ليست متقنة من ناحية صياغة الحكاية المفترض أنها ستكون شبكة صائدة، لكنها أيضا حملت صياغات لغوية منعشة، فما أسهل العثور على حكومة شكلت في أي مكان في العالم، وفي هذا الزمن التكنولوجي المتقدم، يمكن الحصول حتى على صور الوزراء المعنيين وهم يرتدون البيجامات في بيوتهم.

عمري الآن أربعة وستون عاما، إنه عمر عادي ارتديته ولا أعرف إن كان قد ضاق علي واقترب من التمزق، أما ما يزال مناسبا لارتدائه لسنوات قادمة

المهم أن وزير النقل المفترض يقول: منقذي العزيز.. في الواقع أنا سيادة الوزير، الذي يمكن أن يقسم جميع موظفي وزارته أنه أجلّ من راهب، وأحن من أم رءوم، وأكثر جدارة بنيل المجد من شمشون وهيركليس، ولكني أمامك ذلك الطفل البكاء، الذي سيطرد النوم من عين أمه، ويجعلها تستقبل صباحاتها يوميا، معكرة المزاج ومتورمة العينين.. أنا لست فوق مستوى الشبهات برغم حرصي على صفع الشبهات، كلما صادفتها في طريقي، ولست حكيما بالدرجة التي أشاهد فيها ملايين الدولارات، تتقافز أمامي، وتغازلني بكيانها كله، وأدير ظهرى وأذهب.

عمري الآن أربعة وستون عاما، إنه عمر عادي ارتديته ولا أعرف إن كان قد ضاق علي واقترب من التمزق، أم ما يزال مناسبا لارتدائه لسنوات قادمة. في شبابي كنت أحب المانجو، والكاكاو، وفتاة صغيرة اسمها مارغريت أبادو، ظللت أحبها بعمق، وتناديني: داد.. حتى ركبتني قناعة أنني والدها فعلا، ومن ثم كان أول قرار اتخذته أن أتبرأ من أبوتها، وأطردها من حياتي.

الرسالة طويلة، وباختصار هي تريد من الصيد المفترض أن يساعد في تحويل ملايين الدولارات، لاسمه، وينال حصة منها بعد ذلك، وكما قلت، الحبكة كلاسيكية، واهية، لكن لغة الرسالة جميلة وتعطي إيحاءات شتى، ويمكن مزجها في نص روائي، وكما هو متوقع هنا، فقد بحثت عن وزير يحمل مواصفات صاحبنا، ولم أجد، ولم أبتئس، فقد استمتعت فعلا بنص كأنه داخل رواية لآموس تورتيلا أو بن أوكري.

أقول في النهاية، إن الاستمرار في الكتابة لزمن طويل، علمني أشياء كثيرة أعتبرها هامة، منها أن الكاتب يستطيع العثور على شخوصه وأسمائهم وأوصافهم في أي مكان، وربما تأتيه أفكار كبيرة، من مجرد رسالة متلصصة أو محاولة احتيال، لن تكتمل.
____________

* روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة