وديع عواودة-حيفا

"حلم فؤاد" فيلم وثائقي كندي يروي قصة عائد فلسطيني جديد إلى حيفا بحثا عن جذوره وإمكانية الاستثمار في مسقط رأسه، مستعينا بجواز سفره الأجنبي، لكن بلدية المدينة ترحب به قولا وتضع في طريقه العراقيل.

الفيلم من تأليف وإخراج مارتن دوكوورث وإيان ماكلارين، ويروي حكاية فؤاد صهيون، مهندس حاسوب فلسطيني أصله من حيفا ولاجئ في مونتريال يحلم بالعودة لمدينته. وقد عرض الفيلم أمس الأول في حيفا بحضوره وزوجته ابنة مدينته والمهجّرة هي الأخرى.

يتناول الفيلم قصة فؤاد صهيون، سليل عائلة عربية عريقة في حيفا، اضطرت للرحيل عنها عام 1948 حين كان طفلا ليصبح لاجئا في الإسكندرية فالكويت، قبل استقراره في كندا.

فؤاد صهيون: العودة المؤقتة إلى حيفا موجعة (الجزيرة)

عروس الكرمل
يحلم فؤاد بالعودة لـ"عروس الكرمل" ليمضي سني تقاعده في حيفا واقتناء فندق "ويندزور" الذي كانت تملكه عائلة زوجته هالة خوري، ليعيد بناءه كما كان قبل عام 48.

وبعد مفاوضات طويلة تشترط السلطات الإسرائيلية عليه استئجار العمارة لمدة محدودة لأنها "أملاك غائبين"، وهذه نقطة مركزية في الفيلم الذي يعرّف العالم على القضية الفلسطينية بالإنجليزية والفرنسية، خاصة من خلال حيفا ومعالمها، وسيرة البطل الشخصية هي سيرة شعبه في الاقتلاع والشتات واللجوء.

مستعينا بصورة فوتوغرافية تاريخية، يعود الفيلم لأبريل/نيسان 1948 حيث كان فؤاد صهيون طفلا في الرابعة على شرفة بيته في حي وادي النسناس قبالة البحر المتوسط والميناء، ولم يكن يعرف أن الصهيونية ستقطع طفولته فيها بعد ساعات.

في الفيلم المثير للخواطر يعود فؤاد شيخا بعد ستة عقود ونيف، فيصعد بيت العائلة ويقف في نفس الشرفة، متأملا حالما ومشدوها وهو يرى المشاهد ذاتها. وبهذه المفاضلة يبدأ الفيلم الوثائقي الذي يمتد لـ56 دقيقة.

وعلى خلفية مشاهد تهجير أهالي حيفا بالمراكب والسفن، يتحدث عن الحدث الأكثر مأساوية في حياته وحياة شعبه الفلسطيني. لكن فؤاد لا يتردد في البوح عن أسئلة مؤرقة ملحّة تسكنه منذ زمن وموجزها: "كيف تركت عائلة غنية ومتنفذة الوطن وما فيه من عقارات وذكريات كبيرة؟"

لا يجيب فؤاد الحالم بالعودة إلى حيفا، لكنه يؤكد أن الجرح ما زال مفتوحا، وأن العودة المؤقتة موجعة كأوجاع الولادة.

هالة خوري زوجة فؤاد ضحية الاحتلال الذي هجّر عائلتها "البوتاجي" (الجزيرة)

شاطئ البوتاجي
كيف لا يشعر بالألم والمرارة وهو يتنقل بين القصور والمنازل الحجرية الأخاذة بجمالها وقد صودرت أو حاصرها الهجران، وهو يزور المقبرة الكاثوليكية المغطاة بالأشواك ويتعرف على أضرحة أجداده وأقربائه فينتحي جانبا وقد غالبته الدمعة بينما تلاحقه الكاميرا.

الفيلم ثري بلقطات موجعة وذكريات ساخنة كثيرة تبرز فيها زوجته هالة وهي تقف قبالة بحر حيفا في شاطئ ملكته عائلتها (البوتاجي) وهي تنقل بدقة لوالدتها عبر الهاتف المحمول ما تراه واصفة الشواطئ حيث ترعرعت الوالدة قبل أن تهجّرها الصهيونية هي الأخرى لأستراليا.

يقطع المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي جدلا عارضا بين فؤاد وإسرائيليين داخل مطعم في حيفا، فيؤكد في الفيلم أن "الصهيونية فرغت البلاد من أصحابها بخطة محكمة ومبيتة قبل 1948 بسنوات ولن تقبل بعودة اللاجئين إلا عنوة".

يأخذ الفيلم المتميز بوتيرة درامية سريعة مشاهديه إلى مخيم عايدة بجوار "جدار الفصل العنصري" ببيت لحم في الضفة الغربية المحتلة عبر زيارة فؤاد وزوجته عائلة فلسطينية لاجئة تبنيا طفلتها قبل سنوات.

وبالطريقة غير المباشرة ذاتها، يذكّر الفيلم -الذي يقفز على فترة اللجوء- المتلقي كيف استكملت الصهيونية احتلال القسم الثاني من فلسطين بعد عشرين عاما لتصبح حيفا وبيت لحم "في الهم سواء".

وتنعش الفنانة أمل مرقص آمال فؤاد بالعودة وهي تغني في أفياء شجرة زيتون في حيفا أغنية "حجار فوق حجار صاروا دار"، يصاحبها عازفا العود والناي فتخفف بصوتها الفيروزي وطأة المشاهد الثقيلة.

ويقول فؤاد في نهاية المشهد السينمائي إنه متشبث بحلمه بالعودة والاستثمار في حيفا، وأن تصبح فلسطين من البحر للنهر دولة ديمقراطية واحدة، راجيا أن يتحقق ذلك في حياته.

وفي حديث للجزيرة نت، عبّر فؤاد صهيون عن غبطته لكونه في بلده وبين شعبه، ولفت إلى أن الفيلم رسالة تشجيع لكل حملة الجوازات الأجنبية للعودة بها للوطن.

وقال فؤاد إنه يكاد يموت لولا أنه يحلم، وأنه "عادة ما يحقق كل أحلامه"، مشددا على حيوية استثمار فلسطينيي الشتات داخل وطنهم.

المصدر : الجزيرة