هيثم حسين-الجزيرة نت

يلتقط اللبناني شربل داغر في روايته "بدل عن ضائع" كثيراً من تفاصيل الاغتراب اللبناني في الداخل والخارج، إذ يحاول اقتحام منطقة لم تخض فيها الرواية العربية كثيراً، وهي تصوير أحوال اللبنانيين وشريحة من العرب في قلب القارة السوداء، وبالتحديد في السنغال التي يختارها كمكان رئيس لروايته، بالإضافة إلى أمكنة رديفة في لبنان وفرنسا والمغرب، وغيرها.

يحيل داغر في روايته -التي نشرتها دار الساقي مؤخرا- إلى مفارقات التاريخ والراهن، حيث حالات الغربة المتلبسة لمعظم الشخصيات تعكس التداخل بين مؤثرات الحرب الأهلية وما أفرزته من تأثير عميق في الناس لأجيال، وبين الواقع والفنون والآداب وصيغ الكتابة والرواية وطرائقها، وتشظي البشر واغترابهم، وغير ذلك العديد من القضايا الهامة التي تناولها في عمله.

تتوزع الرواية على ستة فصول "تروي لكي لا تموت"، "كرهتُ جسدي"، "الماشي بين الرصاصات"، "دفاتر يسرا خالد"، "ستحيا في ما كتبت"، "هادي ينتظر في عتمة غيابه". ويتبدل الرواة من فصل إلى آخر، ويكون التنويع في القص من حيث استخدام الأزمنة المختلفة، والتنقل من الحاضر إلى الماضي عبر استرجاع الأحداث وتداعيات تتخلل معظم الفصول.

حضور شهرزادي
يعاين داغر واقع راوٍ مفترض يراقب محيطه، يلملم شذرات الحكايات ولا يكملها، يكون بصدد كتابة حكايات امرأة تستكتبه، تروي له لحفظ الذاكرة وتوثقها، فتجد نفسها موكولة بتكوين حكاية المرأة التي تستحق أن تكون بطلة روائية وحياتية معاً، وهي التي تشكل حياتها وتنقلاتها والأحداث الغريبة التي تعرضت لها دافعاً للاستمرار في السرد، وكأن التوقف عن السرد توقف عن الحياة، تتماهى في ذلك مع شهرزاد. يتضح ذلك من خلال العنوان الذي يختاره الكاتب للفصل الأول "تروي لكي لا تموت"، في تأكيد على أهمية الرواية للإنقاذ من الموت، أو التحايل عليه ومماطلته.

يُسكن داغر شخصيات روايته بفكرة البحث المستمر، بداية بالبحث عن زوج أو زوجة، ثم البحث عن الإنجاب، والاستماتة في تحقيق الحلم

يقارب الكاتب صورَ البنوة والأبوة، حيث المرأة الفاتنة سلمى التي تلوذ بساحر أفريقي يستخدم الشعوذة للإيقاع بزائراته الباحثات عن الاستشفاء وتحقيق المعجزات التي لا سبيل إلى تحقيقها واقعياً، وبعد أن يصل بهم الأمر إلى طريق مسدود، يلجآن إليه وهو حلقة في شبكة فساد متشعبة، تستدرج النساء إلى فخاخه، وهو يروي ظمأهن إلى رجل، ويستعمل علاجاته وأعشابه المخدرة لاستغلالهن.

المشعوذ الشاب الذي يُوصَف بأنه "شافي الروح والجسد" يقع في أسر السيدة اللبنانية، لا يستطيع تحمل فتنتها، ولا تدري المرأة شيئاً عن ممارسته معها، وتظن أنها حملت من زوجها، وتكون المفاجأة الصادمة أن الطفل يولد بملامح أفريقية ما يدفع زوجها إلى معاقبتها ويسعى إلى التخلص من الطفل بطريقته.. الطفل الذي كان نعمة ونقمة ولعنة في الوقت نفسه.

يُسكن داغر شخصيات روايته بفكرة البحث المستمر، بداية بالبحث عن زوج أو زوجة، ثم البحث عن الإنجاب، والاستماتة في تحقيق الحلم الذي يؤرقه وقد يحول دون إتمام العملية بشكلها الطبيعي، كما قد يدفع إلى الوقوع في مطبات كثيرة بدافع الرغبة، وبعد ذلك يبدأ البحث عن الابن الضائع، عن حياة ضائعة، عن مستقبل مجهول، حيث يظل هادي المفقود الموجود يحرك ركود الحياة الرتيبة، ويحضر بغيابه المستنفر لمتعة الاكتشاف ولذة المغامرة ومعضلة الانتماء لأب مجهول وأم تقع ضحية رغبات المحيطين بها.

يسرد الراوي أكثر من حياة في مسارات متقاطعة، يستعمل خدعة الدفاتر واليوميات ليوحي بواقعية السيرة المروية، ولا سيما أن الزمان والمكان محددان، ويبحثان عن تبديد الضياع من خلال تكثيف الرواية وتقديم الحقائق بحلة فنية. يسرا تحمي إرثا يختزن تاريخا محجوبا عن البوح به، وهي مع الأخريات صور وتجليات لكثيرات من بنات جنسهن.

لذائذ منشودة
يفسح داغر المجال لأبطاله كي ينطلقوا في فضاءات التخيل والمتع المحظورة، يوحي بخيالية الخيال وغرابة الواقع وضحالته، بحيث يكون اللياذ بالمخبوء والخفي من سبل الشعور بجمالية الأفعال وكنه الأقوال والمعاني. مثلاً بطلته تتأثر برواية "عشيق الليدي شاترلي" للبريطاني دي إتش. لورانس، تعيش برفقة رحلتها القرائية لذائذ غير متصورة، ويكون تمثيل الغرائز في أوجه مع ارتحالاتها المتخيلة ومصادفتها لعشيق يستحوذ على جسدها، ومستقبلها.

يتناول الكاتب جانبا من تفكير أبناء المستعمرات بعد التخلص الشكلي من الوجود الاستعماري في بلدانهم، وما يستتبع ذلك من شغف بثقافة المستعمر وحضوره

كما يتناول الكاتب جانبا من تفكير أبناء المستعمرات بعد التخلص الشكلي من الوجود الاستعماري في بلدانهم، وما يستتبع ذلك من شغف بثقافة المستعمر وحضوره، بحيث أن ذلك قد يدفع إلى الترحال نحوه بنوع من رد الاستعمار أو الغزو المعاكس. ويكون التركيز على الجانب الأفريقي واللبناني الفرنكوفوني والعودة التالية بسبل وأدوات معاصرة.

ويُدخل داغر إلى روايته تفاصيل بوليسية، حيث الراوي الذي هو روائي مفترض يتعقب شخصياته، يستقصي عن هادي والشخصيات الواردة في يوميات يسرا، ويشعر أنه باتت له مناخات طبيعية وجغرافية وبشرية تنقل بينها. قرأ وجوه وملامح وتعابير في هيئات ومشاهد، مسارات حياة لمختلف الشخصيات. يتبين ما يكون عليه الحلم والانكسار، الاتصال وسوء الفهم، التواصل بين الرغبات والشبهات، ويحظى من حيث لم يقصد أو يبحث بمتعة اللقاء بامرأته المأمولة.

يذكر صاحب "وصية هابيل" برواية "لو أن مسافرا في ليلة شتاء" لإيتالو كالفينو، ورواية "قصة حصار لشبونة" لبارغاس يوسا، وبخاصة في الفصول الثلاثة الأخيرة حين يقارب مواضيع القراءة والكتابة والفنون واللذة المنشودة، وسحر القراءة وسطوة الكتابة ومعايشة الشخصيات للروائي وحيل الصنعة وأسرارها وألغازها وتأثيراتها، متعة التلصص الروائي وقيادة القارئ في دهاليز النص وعتماته، والحياة السرية للكلمات وتحولها إلى صور في فضاء مفتوح.

المصدر : الجزيرة