أمير العمري-الجزيرة نت

لم يكن مفاجئا أن يفوز الفيلم التركي "البيات الشتوي" Winter Sleep للمخرج نوري بيلج جيلان، بجائزة "السعفة الذهبية" في مهرجان "كان" السينمائي الذي اختتم أخيرا، فقد ظل الفيلم -منذ عرضه في اليوم الثالث للمهرجان- ضمن قائمة الأفلام الثلاثة المفضلة لدى النقاد، وكنت شخصيا قد وضعته في الاختيار الأول، وتوقعت أن يفوز بالجائزة الكبرى للمهرجان رغم طوله المفرط (أكثر من ثلاث ساعات)، وحواراته الطويلة المرهقة التي يتابعها من لا يعرف اللغة التركية، من خلال الترجمة المطبوعة أسفل الشريط.

اعتبر بعض المتابعين من العرب أن فوز "البيات الشتوي" قد يكون تتويجا للدراما التركية التي تفوقت خلال السنوات القليلة الماضية على نظيرتيها السورية والمصرية، وغزت شاشات الفضائيات العربية بمواضيعها المفتوحة وجرأتها في تصوير العلاقات العاطفية من خلال أسلوب تتميز به المسلسلات الأميركية المشابهة التي تعرف بـ"السوب أوبرا" soap opera والمقصود استخدام المبالغات الدرامية في تصوير المشاعرالعاطفية وقصص الحب بطريقة الميلودراما التي تبتعد عن الواقع تماما، وتستغرق في نسج كل ما هو "خاص للغاية" في حياة تلك الشخصيات التي تكون عادة من النخبة الاجتماعية، تعيش حياة مصقولة لامعة بعيدة عن الواقع الاجتماعي الخشن.

ولكن الحقيقة أن الفيلم المتوج بالسعفة الذهبية أكثر بعدا عن المسلسلات التركية بقدر قربه من الفكر الفلسفي الاجتماعي الذي يميل إلى تشريح العلاقات الطبقية، وفحص تأثير التميز الطبقي على علاقات الفرد وسلوكياته في المجتمع، خصوصا لو كان مثقفا واعيا يدرك أكثر من غيره طبيعة السلوك البشري ودوافعه.

مشهد من الفيلم المتوج في مهرجان كان بفرنسا (الجزيرة)

عرض بلا إدانة
إن ميزة الفيلم الذي يدور حول ممثل مسرحي ترك التمثيل وتفرغ لإدارة فندق سياحي في قرية من قرى منطقة أنطاليا الجبلية الرائعة، يمتلك أيضا بعض المنازل التي يؤجرها لأناس من الطبقة الأدنى، يعجز بعضهم عن الوفاء بالتزاماتهم، مما يعرضهم للتشريد.

والبطل الذي تجاوز الخمسين متزوج من امرأة في العشرينيات من عمرها، وله شقيقة تقيم معه في الفندق نفسه.

ويبدو الرجل في البداية شخصية لها منطقها "الإنساني" الخاص، فهو لا يبدو شريرا بل ربما نراه أيضا كريما ومتسامحا، يميل إلى إسداء النصح أكثر مما يتهم ويفرض سيطرته بالقوة، وقد يكون غير مبال بما يترتب على بعض قراراته بما ينعكس على حياة القريبين منه، لكنه يملك دائما المبررات التي تجعله على قناعة بأنه يملك نوعا من "الوصاية" على الآخرين، بحكم تميزه الطبقي والثقافي. وهو يمارس مثل هذه الهيمنة والغطرسة على زوجته وشقيقته، الأمر الذي يؤدي إلى وقوع مواجهات صادمة بينهم جميعا تؤدي بالمثقف الفردي الأناني إلى مواجهة نفسه، ومعرفة أين يريد أن يقف مستقبلا.

ولعل الجانب الجيد في دراما هذا الفيلم أن مؤلفه ومخرجه لا يُدين ولا يتخذ موقفا محددا من شخصياته بقدر ما يطرح التساؤلات عن طبيعة المسؤولية الأخلاقية وحدودها، وكيف نحكم على الأشياء، وهل الآخرون جميعا هم "الجحيم" كما كان يقول سارتر، أم إننا نحن من يصنع الجحيم ونصبح بالتالي مسؤولين ولو جزئيا عنه؟

الجانب الجيد في دراما هذا الفيلم أن مؤلفه ومخرجه لا يُدين ولا يتخذ موقفا محددا من شخصياته بقدر ما يطرح التساؤلات عن طبيعة المسؤولية الأخلاقية وحدودها، وكيف نحكم على الأشياء

وقد يكون من الصحيح أن نوري بيلج جيلان -مخرج هذا الفيلم- من المتأثرين كثيرا بقصص الروسي أنطون تشيخوف التي تتناول تعقيدات العلاقات العائلية وتقوم بتشريحها لكشف الزيف الاجتماعي، وصحيح أيضا أنه قد يكون متأثرا ببعض طروحات الفيلسوف الفرنسي سارتر التي تدور حول مسؤولية الفرد ومسؤولية المثقف تحديدا (بطلنا يناقش الكثير من الأفكار التي تتردد عند شكسبير) كما يتعرض لموضوع عزلة المثقف ورفضه أن يكون جزءا من حركة المجتمع وتشككه الدائم في الآخرين، ورفضه الاعتراف بالمساواة بل يراها فكرة نظرية سخيفة فهو يعتقد أن التناقضات بين البشر طبيعية، وأن كونه أصبح وريثا ثريا لم يكن اختيارا بل قَدَره الذي يتعين عليه قبوله كما هو والتعامل معه. ويعتبر أيضا أن منحه بعض حرية الحركة لزوجته مثلا هو نوع من التنازل أو "العطية" وليس حقا لها.

لكن هذه الجوانب كلها قد تكون مفهومة في سياق الفيلم البديع الذي يشدك إليه بتفاصيله وخصوصا البصرية: البيئة الجبلية النائية، البيوت المنحوتة في الجبل، الثلوج التي تنتشر تدريجيا فتغطي الأفق، النار المتأججة التي يتدفأ بها المحرومون بصعوبة، مسار الحركة والتمثيل الرفيع لمجموعة الممثلين المشاركين في الفيلم وأولهم بالطبع الممثل الكبير هالو بيلجنر، الذي يستدعي كل ما خبره من تجارب شخصية في الحياة ليمنح الشخصية لحما ودما وأفكارا وصراعا داخليا عنيفا.

المركزية الأوروبية
أما الجانب الذي يلفت النظر أكثر فهو مقارنة الكثير من النقاد الغربيين بين أسلوب جيلان وأسلوب المخرج السويدي الراحل إنجمار برجمان، وهو ما يعكس الولع التقليدي بفكرة المركزية الثقافية الأوروبية، أي رد كل الأعمال الفنية والأدبية المتميزة التي تأتي من "خارج أوروبا"- الثقافية، إلى ما أنجزه العقل الأوروبي في مجالات الفلسفة والفن والأدب.

فالمثقف الأوروبي لا يمكنه أن يتصور مثلا أن يكون شادي عبد السلام قد استلهم إيقاع فيلمه "المومياء" من تعمقه الخاص في تراث وتاريخ بلاده، بل لا بد من مقارنته بأسلوب الإيطالي بازوليني أو روسيلليني، كما كان الفرنسيون مثلا يقارنون بين فيلم "الأرض" ليوسف شاهين، والفيلم "السوفياتي" الذي يحمل الاسم نفسه للمخرج الأوكراني ألكسندر دوفجنكو، الذي أنتج عام 1930، رغم الاختلاف الكبير بين تركيبة وملامح وتاريخ الفلاح المصري عن الفلاح الروسي أو الأوكراني مثلا.

ينتمي "البيات الشتوي" أكثر -ليس إلى سينما برجمان- بل إلى التيار الواقعي في السينما التركية، ذلك التيار الذي نما وترعرع على يدي الكاتب والروائي والممثل والمخرج الراحل يلماظ جوني صاحب أفلام شهيرة مثل "عروس الأرض" و"الأمل" و"الصديق" و"الطريق".

هذه الأفلام التي نحتت الواقعية كأسلوب تكسوه شاعرية واضحة في أسلوب التعامل مع الصورة ومع الشخصيات. ولعل فوز "البيات الشتوي" أيضا تتويج لمسيرة السينما التركية التي تحتفل هذا العام بمرور مائة سنة على بدايتها، وهو تاريخ له أفلام وأفلام.

المصدر : الجزيرة