محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

صدر بالخرطوم كتاب "عبد الله الطيب وجريزلدا.. العثور على الذات الأخرى" للبروفيسور عبد القادر محمود عبد الله أستاذ الدراسات السودانية والمصرية القديمة بجامعة النيلين، ودشن في الاحتفالية بالذكرى الـ11 لرحيل البروفيسور عبد الله الطيب، وهو أحد أبرز وجوه الثقافة السودانية والعربية في القرن العشرين.

وتميزت رحلة حياة عبد الله المولود عام 1921 بدامر المجذوب شمال السودان بمنعطفات كثيرة منذ مولده، مرورا برحلته التعليمية وظهوره في المشهد الثقافي بموسوعته "المرشد لفهم أشعار العرب وصناعتها" في خمسة أجزاء، وكتب مقدمته عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي قال "هذا الكتاب ممتع إلى أبعد غايات الإمتاع، لا أعرف أن مثله أتيح لنا في هذا العصر الحديث".

جريزلدا كانت خير سند لإبداع البروفيسور عبد الله الطيب (الجزيرة)

الذات الأخرى
يذهب البروفيسور عبد القادر محمود في رواية قصة عبد الله الطيب وزوجته جريزلدا إلى أن أول ما فتنت به من عبد الله الطيب كان عروبته، وأنها رأت فيه أسطورة وسحر الشرق وحكايات "ألف ليلة وليلة".

ويضيف محمود بأن ما أعجب الطيب فيها هو ذكاؤها وانفتاحها كفتاة بريطانية لم تتلوث بنظرة مجتمعها في ذلك الوقت للغريب. ويروي المؤلف أن زواج عبد الله وجريزلدا وجد كثيرا من الصعاب من قبل أسرتها باعتراضها على هذه الزيجة ومطالبتها بترحيل عبد الله الطيب عن بريطانيا.

ويشبّه عبد القادر اللقاء الأول بين عبد الله وجريزلدا بلقاء أسطورة الحب العربي "جميل وبثينة" وما نشأ من خلاف بينهما تحول إلى حب جارف، إذ اتهم عبد الله في ذلك اللقاء جريزلدا وقومها بالاستعلاء والنظرة الاستعمارية.

ويذهب البروفيسور محمود إلى أن جريزلدا قد هيأت لزوجها كل سبل الراحة من أجل التأليف والكتابة، وأشارت إليه بضرورة دراسة اللغة الفرنسية. ويذكر الدكتور صديق عمر صديق مدير معهد عبد الله الطيب للغة العربية أن جريزلدا هي من أشار على عبد الله الطيب بأن يتولى عميد الأدب العربي طه حسين كتابة مقدمة "المرشد لفهم أشعار العرب وصناعتها" بجانب أنها تولت تصميم مؤلفيه "كتاب الأحاجي السودانية" و"نافذة القطار" ومسرحياته، وهذا جزء من شراكتها وإحساسها بقيمة عبد الله الطيب، وهي الآن أكبر راع لمؤلفاته وتعتبر هذا مشروع حياتها.

ويقول مؤلف الكتاب إن لعبد الله الطيب تأثيرا كبيرا على زوجته في توسيع معرفتها باللغة العربية والثقافة السودانية، وهو ما قادها إلى الإسلام العام 1976 وأطلق عليها عبد الله الطيب اسم "جوهرة الطيب" كما سعت إلى الحصول على الماجستير من جامعة الخرطوم في الأزياء السودانية، وظلت مساهمة في الحركة الثقافية السودانية عبر التشكيل والمحاضرة وحضور الفعاليات المختلفة، ولاتزال مقيمة في السودان حتي بعد رحيل البروفيسور عبد الله الطيب العام 2003.

صورة من الاحتفالية التي أقيمت لذكرى العالم الموسوعي عبد الله الطيب (الجزيرة)

رواية القصة
يقول الدكتور عز الدين ميرغني إن الدكتور عبد القادر محمود قد تتبع سيرة عبد الله الطيب الموسوعي المعرفة منذ مولده في قريته بالدامر، وإن هذه الكتابة تدخل في تقنية السيرة "الغيرية" مضيفا أن زوجته جريزلدا مثلت النصف الآخر الذي مهد لهذا المثقف الكبير أن يبدع.

ويذهب الدكتور عمر صديق إلى القول إن جريزلدا كانت تحث البروفيسور عبد الله الطيب على التأليف والكتابة، وأثناء تدريسه في بخت الرضا قالت له "برهن على وجودك" ووفرت له أجواء الكتابة.

وأشار صديق إلى أن الكتاب قد تضمن أشياء لم تذكر من قبل حول السيرة الشخصية لجريزلدا، وأن الدكتور عبد الله الطيب قد فتح لها حياة أوسع من حياتها في بريطانيا وأصبح العمق الروحي عندها أكبر، وقد كان أهلها يتخوفون على مستقبلها وعند زيارتهم للسودان اكتشفوا أنها زوجة رجل عظيم.

ويرى الناقد عامر محمد أحمد أن هذا الكتاب سيرة غيرية لم تكتمل ملامحها، وإنما اجتهد تلميذ المؤلف لرسم صورة الزوجة جريزلدا.

وأشار عامر إلى أن ما فات المؤلف وهو يذكر أن البروفيسور عبد الله لم يكتب سيرته مع زوجته في كتابيه "نافذة القطار" و"حقيبة الذكريات" بأن هذه السيرة قد دونت في كتبه كلها وأشعاره وفي ذكريات تلاميذه، وأن الرواية الأمثل لحياة العلامة الطيب تتلخص في أنه لم يكتب سيرته الذاتية لعلمه أن كل من عرفه أو سمع به أو درسه أو قرأ له سيتمثل في ذهنه صورة الأسطورة التي لا تتكرر ولن تتكرر.

المصدر : الجزيرة