حاورتها-فاتنة الغرة

في المهجر، تجلو الروح وتأخذ الأشياء كلها مسميات مختلفة، وتصير للوطن وللذات أماكن مغايرة، ومن هنا تنطلق الكاتبة والروائية السورية الكردية مها حسن في رواياتها التي تحاول أن تستقصي فيها الذات البشرية وواقع الحال.

ولمحاولة الدخول إلى عوالم الكاتبة أكثر، كان للجزيرة نت معها هذا الحوار.

 بين الثقافتين العربية التي تكتبين بها غالبا والكردية التي تنتمين إليها، هل تتأرجح مها حسن أم وجود الثقافتين كان إثراء لتجربتك؟

أعتبر نفسي محظوظة بهذا الخليط الساحر، بامتلاك كمية هائلة مخزّنة من الحكايات والقصص الشفوية التي نقلتها لي جدتي الكردية، والتي ترد كثيراً في كتاباتي، وأعتبر نفسي أحياناً امتداداً لها، فكأنني نسختها المنقّحة، حيث هي النسخة الشفوية، وأنا المدوّنة، بالإضافة إلى مخزون أمي الخاص والمختلف عن مخزون جدتي لأبي.

امرأتان تتحدثان لغتين مختلفتين. أمي المولودة من أم عربية وأب كردي، وجدتي الكردية، تناوبتا على نقل شغف الحكاية، الشغف الذي اشتغلتُ عليه لاحقاً بأدواتي المعرفية وثقافتي الشخصية وخبراتي الخاصة.
 يعتبرك البعض من أكثر المبدعين السوريين كتابة عن الثورة وتواصلا مع الوضع العام بسوريا، هل كان لقوميتك تأثير على مواقفك كما يرى البعض؟

لا أعتقد بهذا، بل إنني لا أؤمن بالقوميات والانتماءات الدموية، أنا كاتبة، أنتمي للكتابة التي تنظر إلى العالم كله بعين واحدة، تحلله وتحاول تفسيره، وتدوّنه. ومن جهة أخرى، لا أعتقد أنني من أكثر السوريين كتابة عن الثورة، هناك الكثير من الكاتبات والكتّاب السوريين الذين اشتغلوا، وأكثر مني كما أعتقد.

 أصدرتِ رواية "طبول الحب" تناقش القضية السورية، ألا تعتقدين أنه من المبكر كتابة رواية عما يحدث في سوريا خاصة وأن الأمور ما زالت على حالها؟

على الصعيد الإبداعي، نعم، الوقت مبكر، لكنني عشتُ تحت تأثير ضغط ما يحدث، وكما قلت من قبل بأن هذه الرواية وجدت طريقها إليّ كما لو أنني لم أكتبها، بل زارني شخوصها وألحّوا عليّ بالتواجد معي طيلة الوقت.

روايتي وثّقت الثورة السورية بنبلها وإنسانيتها، قبل أن تُحوّل بجهود السياسيين، سواء من النظام، أو من قوى إقليمية أو من أطراف معارضة، أو من جهات عالمية، إلى عمل مسلح ثم إلى فوضى يصعب فهمها

كنت أكتب تحت تأثير مطالبة أصوات داخلية بهذا، ومن ناحية أخرى، وعلى الصعيد الإبداعي أيضاً، وبعد مرور سنتين على صدورها، أشعر اليوم أنني لم أخطئ بكتابتها، فهي رواية طازجة، رواية الحدث الذي يحدث أثناء الكتابة، ولا يزال مستمراً، هي بمثابة توثيق ولكن إبداعي لما يحدث في سوريا. 

أما على الصعيد السياسي أو التوصيفي للثورة، فإن روايتي هذه، والتي أحترمها وأحبها لسبب إنساني أكثر منه إبداعي، قد وثّقت الثورة السورية بنبلها وإنسانيتها، بل وبانقساماتها البريئة، يعني هي بالنسبة لي على الأقل بمثابة مرآة للفترة الوردية للثورة، قبل أن تُحوّل بجهود السياسيين، سواء من النظام، أو من قوى إقليمية أو من أطراف معارضة، أو من جهات عالمية، إلى عمل مسلح ثم إلى فوضى يصعب فهمها.. طبول الحب هي السنة الوردية الجميلة للثورة، صورة الثورة التي أحببناها وتمسكنا بها ولا نزال نراها من خلال تلك العين الجمالية، العين الباحثة عن الحرية والعدالة والمحبة، العين التي رفع السوريون من خلالها الورود في التظاهرات، كل ذلك الجمال، فقدته الثورة اليوم، وأصبح الدم في كل مكان.

 قال البعض إن روايات مها حسن هي روايات "نسوية بامتياز"، ألا تعتقدين أن في هذا التوصيف ظلما لكتاباتك؟

هذا يعني بأنهم لم يقرأوني. من أولى رواياتي "اللامتناهي ـ سيرة الآخر" إلى "تراتيل العدم" وحتى "حبل سري" كانت تيماتي الوجودية هي الغالبة، حيث هواجسي تتعلق بالهوية والانتماء والوطن والمنفى وقدرة الفرد على التغيير.. أي كل تلك المجموعات الهائلة من الهواجس الإنسانية والأسئلة الجوهرية في الحياة.

الرواية الوحيدة التي تطرقتُ فيها لموضوع يتعلق بالمرأة كانت "بنات البراري". ولا أعتقد أن جرائم قتل النساء هاجس نسوي بحت، أظن أن هناك كتّابا رجالا أيضاً كتبوا عن هذا الموضوع.

 تحدثتِ سابقا عن اللغة القاتلة وأن السوريين قتلتهم اللغة، ما الذي تقصدينه تحديدا؟

أسمع أغنية عربية بغتة في باريس فتقفز حلب بوجهي، وأشعر كما لو أنني طفلة مُعاقبة بالحرمان من أغلى دُماها، هل حلب دميتي؟ ربما، حلب أو اللغة العربية المنتشرة في كل مكان، هي دميتي الضائعة

ربما أنا تحدثت عن اللغة التي تقتل، متكئة على عوالم "خوان رولفو" حيث يقتل الهمس أبطاله، وقد توقفت عند السوريين حصراً، لكن هذه اللغة يمكن تعميمها على العالم العربي بأجمعه، حيث الانفصام بين الواقع واللغة، بحيث تبدو اللغة المستعملة فارغة وبعيدة عن الواقع.

منذ أيام، انتشرت على الفيسبوك صورة لرجل بدين أمامه مائدة طعام عليها ما لذ وطاب كما يُقال ويدخن النارجيلة، ويلصق لوحة خلفه تقول: الثورة مستمرة حتى لو نموت من الجوع.
 
هذه الصورة تدل على الفرق الكبير بين اللغة البرانية الشكلانية وبين السلوك الحقيقي أو الرغبات الإنسانية، هذا فعلاً موضوع شائك وطويل، وينبغي أن يأخذ حقه في دراسات أعمق وأكثر تركيزاُ، لتكون اللغة معبرة عن حقيقتنا الداخلية، وهذا يحتاج إلى مجهود فكري ونفسي معاً لغربلة الذات وفهم الأنا، ثم استعمال لغة تتناسب مع الشخص، لا مجرد كليشيهات يرفعها أحدنا لأن غيره يستعملها.

 كروائية تعيش في المهجر، كيف أعاد المهجر تشكيل نمط الكتابة لديك منذ "اللامتناهي-سيرة الآخر-1995" وحتى "طبول الحب-2013"؟

تعلمت الكثير في الغرب، تعلمت ضبط انفعالي، وتحمل مسؤولية كلمتي، لهذا فكتابتي تحررت أكثر من قبل من سلطة الآخر، الغرب يقوّي الفرد لأنه لا يعين الآخر دائماً. هنا الدولة هي التي تحقق حاجيات المواطن، ولا يمكن لأحد الاتكال على أحد آخر، ولأن المواطن مستقل لهذا فهو حر من الداخل، في روايتي "تراتيل العدم" تحدثت عن الإذعان، عن تلك العقود الضمنية التي يوقعها الفرد مع الآخر: السلطة، المجتمع، الأب، الصديق ... ليمنحه الحماية، هذا لم أحتجه في الغرب، لهذا صرت أكثر قوة، تحررت من الآخر بالمعنيين، السلطوي والمنفعي إن صح الوصف، بمعنى لا أحد يقدم للآخر شيئا، وبالتالي، لا أحد منا مدين لأحد، هكذا تحررت كتابتي حتى مني ومن تدخلاتي وشروحاتي، وأعتقد أن سردي أصبح أكثر تخففاً من قبل.

 كشف المستور أو الحديث عن المسكوت عنه أو كسر التابوهات، هل هي ثيمات فكرية تتوارى خلف بنائك الروائي؟

لا أعتقد أن هذه تيمات روائية، يمكن للصحافة والإعلام فعل هذا، أما الأدب فهو يشتغل على العمق، ينزل إلى قعر الفرد والحدث والبناء الروائي حتى، ويحفر باحثاً عن الجواهر المدفونة، أو المخاوف أو المجهول البشري، ولكن المسكوت عنه والتابوهات، هذه مفردات تليق بكتابة سريعة تبحث عن الضوء والإثارة الإعلامية.

 أين ترين الرواية السورية الآن في المشهد العربي، وهل هناك أسماء تستطيع إيجاد مكان لها عالميا؟

تكسرني الغربة الروحية والفكرية، وترميني في عمق الوحدة والعزلة، فأكتب. هي ضريبة الكتابة، التفاحة المحاطة بالشوك، حتى نكتب، يجب أن نكون أنفسنا، ولنكون أنفسنا نحتاج إلى الحرية والعزلة ربما

يؤرقني دوماً سؤال "جنسية الأدب" وقد كتبت حول هذا، فمصطلح الرواية السورية هو إشكالي بالنسبة لي. أنا أعيش خارج سوريا منذ عشر سنوات، وهناك أسماء روائية وُلدت في غيابي، ولا أعتقد أنني أرتبط مع الكثير من الكتاب السوريين في هواجسنا الكتابية، لهذا فإن التأطير الجغرافي للأدب لا يعنيني، فإذا خرجت من قبل من الانتماء الدموي، بحيث لم أسمح بأصولي التدخل في عقلي، إلا لتجميل كتاباتي وإثرائها، وليس من باب الانفصال أو الحدود مع الآخر، فإنني ككاتبة أعتبر نفسي منفتحة على العالم، أهتم بالكتابة الجيدة، وأحاول التعرف على تجارب الكتاب من كل أرجاء الأرض، لهذا فإنني لست خبيرة بالرواية السورية، ربما يكون هذا من شغل النقاد.

ما الذي يكسر مها حسن من الداخل وما الذي يبنيها؟

تكسرني الغربة، وفي نفس الوقت تبنيني. هل تذكرين قصة (بنيلوب) لدى اليونان، كانت تُمضي الليلة في الحياكة، وفي الصباح تنسل كل ما حاكته، أو ربما كما وقع لسيزيف، هذه الدوامة بين المنفى والوطن هي التي تكسرني، أسمع أغنية عربية بغتة في باريس فتقفز حلب بوجهي، وأشعر كما لو أنني طفلة مُعاقبة بالحرمان من أغلى دُماها، هل حلب دميتي؟ ربما، حلب أو اللغة العربية المنتشرة في كل مكان، هي دميتي الضائعة، حين حصلت على جواز سفر بعد ثماني سنوات تقريباً من العيش في الغرب، محاطة بعالم "أجنبي" عليّ الالتحاق به وفهمه، ذهبت إلى لبنان، كنت أشعر أنني مسحورة وأنا أسير في شوارع يتحدث فيها الجميع اللغة العربية.

تكسرني الغربة الروحية والفكرية، وترميني في عمق الوحدة والعزلة، فأكتب. هي ضريبة الكتابة، التفاحة المحاطة بالشوك، حتى نكتب، يجب أن نكون أنفسنا، ولنكون أنفسنا نحتاج إلى الحرية والعزلة ربما.

هي ضريبة الكتابة، ولكن الكتابة في نفس الوقت لا تقبل بإدامة عذابي، لتمنحني من وقت لآخر (سفر الكتابة) فأخرج إلى العالم. الكتابة غربتني، لكنها أيضاً منحتني فرص اللقاء مع الآخر الذي لم أتوقعه، والذي أصادفه كثيراً وتفاجئني به.

المصدر : الجزيرة