بوعلام رمضاني-باريس

يحتضن معهد العالم العربي بباريس معرضا لأنسجة الأندلس الحريرية يمتد من 18 يونيو/حزيران الجاري إلى 21 سبتمبر/أيلول القادم، وذلك من أجل توسيع رقعة الحوار بين الشرق والغرب تعميقا لحقيقة تاريخية أكدت تفاعلهما الجدلي بعيدا عن الصور النمطية التي أتى بها الاستشراق الاستعماري الذي ندد به الراحل إدوارد سعيد في كتابه المرجعي الشهير "الاستشراق".

ويعتبر معرض "أنسجة الأندلس الحريرية" إطلالة تشفي غليل كل من يريد الوقوف على العطاء الحضاري الذي أبدعه مسلمو الأندلس ما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر للميلاد، وهو العطاء الذي امتد إلى دول شمال أفريقيا حتى القرن الثامن عشر كما يبين ذلك المعرض من خلال الأنسجة الحريرية البديعة المختلفة التي تمت صناعتها لاحقا في المغرب وتونس.

المعرض الذي ينظم جنبا إلى جنب مع معارض "الحج إلى مكة" و"قطار الأورينت إكسبرس" و"مأساة الشعب السوري" التي غطتها الجزيرة نت، لم يذهب ضحية أهمية المعارض المذكورة الأولى لأنه بدأ في استقطاب جمهور إضافي يتطلع إلى المزيد من المعرفة الفنية التاريخية المتعلقة بالحضارة العربية والإسلامية العريقة كما لاحظنا في عين المكان.

تم تخصيص رواق كامل للأزياء الأندلسية التراثية (الجزيرة)

بهاء ساحر
يتمثل الإبداع الفني والحضاري الذي يكشف عنه المعرض في تحف كثيرة متنوعة شملت عشرات الأزياء التي نسجت بأنامل ذهبية عكست سحر وبهاء التطريز بالحرير ومواد أخرى، إضافة إلى عرض أنواع عدة من الأثاث المزخرف والصناديق والأواني والأدوات والأغطية واللوحات الفنية العاكسة لتقنيات مدهشة تجسد مهارات حرفية عرفتها الأندلس التي سقطت في أيدي الملوك المسيحيين في حروب "الاسترداد".

ويعود الفضل في تقديم المجموعات المعروضة إلى الصحفي ورجل المال والناشر والمجمّع الفني الكبير جوزيه لازارو غالديانو (1862-1947) الذي كان من بين الباحثين الأوائل الذين اهتموا بالحضارة العربية الإسلامية التي عرفتها الأندلس. وركز غالديانو اهتمامه أساسا على أنواع الأقمشة، وبإمكان الشغوفين بتركته زيارة المتحف الذي يحمل اسمه اليوم في مدريد.

وتتميز مجموعة المعروضات بتنوع تقنيات صناعة النسيج الأندلسي وبصناعة زخرفية كبيرة شملت فنون العمارة والبناء والتزيين والحلي والأواني الفخارية، بينها فن التزيين المعروف بـ"الزليج" المنتشر في المغرب الأقصى بشكل كبير.

الجمهور استمتع بمشاهدة تحف أندلسية بديعة (الجزيرة)

مخمل وحرير
اعتمد منظمو المعرض مقاربة علمية وتربوية في عرض الأنسجة الحريرية، حيث يبدأ العرض بخريطة وكتب ومخطوطات قديمة، إضافة إلى سيرة المجمّع جوزيه لازارو غالديانو، تلتها لوحات لمختلف أنواع النسيج الحريري أيام بعض سلاطين غرناطة مثل محمد الثالث
(1302-1308) ومحمد الخامس (1354-1359)، وتوسطت لوحة حملت عنوان "قصر الحمراء" سلسلة اللوحات الرائعة التي خصص لها رواق كامل، وأخذت غرناطة -كما كان متوقعا- حصة الأسد في المعرض باعتبارها أشهر المرجعيات الحضارية الأندلسية.

الأزياء المصنوعة من المخمل والحرير والمطرزة بخيوط من ذهب ومنها قفطان السلطان الذي يرتديه يوميا كانت محط إعجاب الكثير من الزوار العرب والأجانب، علاوة عن الصدرية التي صنعت في تونس، والجنبية التي ترتدى في الخليج بهدف وضع الخنجر (اليمن)، وفستان العروس التونسية الذي ترتديه في اليوم السابع من زواجها، فضلا عن الجبة المطرزة بخليط من القطن والحرير، وكل هذه النماذج عرضت من باب تكريم الحرفيين المغاربيين الذين ورثوا صناعة النسيج الحريري من أسلافهم الأندلسيين.

المصدر : الجزيرة