محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

صدرت بالخرطوم رواية "اكفهرار" للكاتب والناشط السياسي فتحي البحيري، واستقبلت الأوساط الثقافية هذه الرواية بزوايا نظر متعددة، فقد عدها بعض الكتاب فريدة في تقديمها للواقع سرديا، وأن حركتها داخل النص الروائي اعتمدت على اللغة السلسة وسرد المعنى وحدوده القصوى للوعي الثقافي، إضافة إلى المقدرة على تطويع السرد لصالح البناء الروائي. فيما قرأها كتّاب ونقّاد على أنها محاولة شاعر للدخول في السرد بزاوية سياسية تأويلية للواقع المعيش، مع استخدام رموز وشخصيات معروفة تستنبط من خلال النص، وهو ما جعلها عرضة للتداعي السياسي.

الخطاب الروائي
استخدم الكاتب -المقيم في دولة أوغندا بالعاصمة كمبالا- رموزا سياسية لشخصية السياسي المتلاعب بالمشاعر مع حشد تواريخ لحوادث طلابية حدثت في جامعات سودانية إبان تسعينيات القرن المنصرم، كما احتوت الرواية على عناوين داخلية كثيرة (نجيمة، صفاء، انتباه، عبور، زيارة، اكفهرار، زمهرير) وهو حشد روائي داخل متن السرد مع تحول هامش الحكاية إلى تذكير للقارئ ولفت نظره، وهذه تقنية قصصية تحاول إنتاج دلالة خطاب من خلال بنية تنفتح على النص وتوحي بوجود رمزية مفتوحة الاحتمالات السياسية والاجتماعية وحيثيات حكائية تشير إلى دائرة تتداخل فيها الأزمنة والأمكنة.

"نخاطبكم بهذه اللحظة التاريخية من عمر بلادنا الحبيبة، نخاطبكم والدموع في أعيننا، والعزيمة في قلوبنا، نخاطبكم و(التاية) و(بشير) و(سليم) وقد أصبحوا بإذن واحد أحد في حواصل طير أخضر"، والمفارقة أن هؤلاء الطلاب كانوا قد قتلوا في حوادث طلابية مختلفة في جامعات سودانية.

عامر حسين: الرواية تناقش الواقع سياسيا ومعاناته كناشط واضحة في ثناياها (الجزيرة)

كما اعتمد الكاتب على ماضي السارد العليم ورؤيته وأحلامه الشخصية والعامة في مدرسة النضال والانتماء، والتي يكتمل خطابها بخطابات داخلية لشخصيات الرواية وتفسيرها لكل الأحداث السياسية التي مرت بها السودان.

من الشخصيات الرئيسية في هذه الرواية (رتاية الحاج) الزوجة، و(نفيسة كباشي) الحبيبة الحلم. وهذه الشخصيات تبحث عن هوية وخصائص معرفية تتيح للقارئ التفكير لمحاولة معرفة سر السارد الخفي في استنطاق أبطاله بلسان تأخذه بلاغة التقعيد إلى رسم سلطة واسعة لمقدرته في تشخيص التحول السياسي والاجتماعي في السنوات الماضية، كما أدرك الكاتب أهمية الرمز في تبليغ الرسالة سرديا.

مدرسة نضالية
يرى الناقد عامر حسين أن البحيري يتكئ على المروي من الحكايات والشظايا في بلورة فكرة حاكمة ومتحكمة ومنتمية للسرد، ويقول إن الكاتب حاول مزج هذه الحكايات في حكاية واحدة، وسعى افتراضيا إلى أن يناقش الواقع السوداني من زاوية سياسية أثرت عليها معاناته كناشط سياسي.

بينما يقول الدكتور الناقد عز الدين ميرغني إن الروائي معروف بأنه شاعر يكتب قصيدة النثر، ودائما ما يفتح للقارئ شهيته لمحاولة اكتشاف تأثير الشعر على النص الروائي، والنص الروائي يخضع لمقاييس الرواية وشروط السرد.

ويضيف ميرغني أن هذه الرواية فيها أحداث وشخصيات متحركة ولغة ساردة بين الشخصيات رغم طغيان العامية التي وسمت الحوار بين الشخصيات، وهذا الطغيان حرم القارئ من لغة الكاتب الحقيقية التي يربط فيها بين الأحداث والتي جنحت أيضا للشعرية، وهذا لم يعب الرواية وإنما جعل أصواتها الروائية ثرية ومتنوعة، وأشار ميرغني إلى أن النص محمل بالتراث والفلكلور السوداني لمن يفهم العامية السودانية، متمنيا ألا تبقى الرواية سجينة المحلية.

المصدر : الجزيرة