إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

تحتضن مدينة خريبكة المغربية حاليا الدورة الـ17 من مهرجان السينما الأفريقية في إطار سياسة الانفتاح التي ينهجها المغرب ثقافيا وفنيا عبر إحياء الصلات بجذوره الأفريقية العريقة، واعتزازه بها، على اعتبار أن الثقافة الأفريقية تشكل رافدا أساسيا من روافد التشكل الحضاري، ومكونا جوهريا في هويته الثقافية المتعددة والمنفتحة.

ويجسد هذا المهرجان -الذي راكم 17 تجربة مختلفة- مناسبة سنوية للسينما الأفريقية لتدارس الأفق السينمائي بالقارة السمراء، وعرضا للأعمال الجديدة المتميزة لخلق حراك تفاعلي، يغني التجارب القُطرية ويخرجها من عزلتها.

وتشارك في هذه الدورة 13 دولة أفريقية، منها رواندا، وجنوب أفريقيا، والسنغال، وإثيوبيا، وغينيا بيساو، والكونغو، وتشاد، والكاميرون، وزيمبابوي ومالي، فضلا عن المغرب الذي سيشارك بفيلمين "الصوت الخفي" لمخرجه كمال كمال و"وداعا كارمن" من إخراج محمد أمين بنعمرو.

إحدى فعاليات المهرجان الذي احتفى بالسينما الأفريقية وثقافتها (الجزيرة)

فعاليات متنوعة
يحفل برنامج الدورة الحالية بالكثير من المواد والفعاليات المختلفة كيفا وكما، وكلها تدور حول الخصوصيات المميزة للسينما الأفريقية في أبعادها الجمالية والفكرية والأنثروبولوجية.

وإضافة إلى فقرة التنافس على الجائزة، يتوزع اهتمام اللجنة المنظمة بين الندوات وسهرات فنية تحييها فرق من المغرب وساحل العاج، وموائد مستديرة، وعرض الأعمال الجديدة المتميزة، خاصة منها تلك التي تسلط الضوء على المشترك في الهويات المجتمعية الأفريقية، حيث ينتقل الحديث من السينما القُطرية إلى السينما القارية في انسجام تام مع أهداف المؤسسة الحاضنة.

وفي هذا الصدد، خص المختص في الفرجة وفنون الأداء الباحث إبراهيم الحيسن الجزيرة نت بتصريح قال فيه إنه "بما أن أهمية السينما تكمن في استخدام الواقع الحي ذاته كمادة خام للعمل الفني، أو استخدام هذا الواقع كخلفية متحركة لهذا العمل، فإن تجربة السينما الأفريقية بخريبكة وظفت كثيرا واقع الثقافة الأفريقية بلغة السينما بشكل فني وجمالي زاد من تعضيد العمق الأفريقي في المغرب على مستويات جمالية وإثنوغرافية متنوعة".

ويضيف الحيسن "السينما إبداع يعبّر عن الواقع بأشياء وعناصر مستوحاة من الواقع نفسه، لذلك فهي استطاعت أن تعطينا، من خلال تجربة خريبكة الصورة الحقيقية للواقع المعيش بمجموعة من الأقطار الأفريقية، واستطاعت أن ترفض الاكتفاء بتقليد هذا الواقع، كما يظهر في فنون أدائية أخرى. وقد ظهر ذلك جليا في عدة أفلام وأشرطة سينمائية لمخرجين وممثلين مرموقين، وهي بالغة الجودة إخراجا وتمثيلا".

وأكد الناقد السينمائي سليمان الحقيوي هذا القول حيث أوضح أن المهرجان "استطاع بفضل تاريخيته أولا وتيمته الفريدة ثانيا، أن يلفت الانتباه إلى مدينة لم تكن معروفة كثيرا، بل جلب ضيوفا مهمين على مر دوراته السابقة، وخلق تواصلا سينمائيا أفريقيا متجددا كل سنة، وهو أمر في غاية الأهمية من أجل الرقي بالسينما المغربية".

إبراهيم الحيسن: المهرجان تمكن من فتح الحدود بين الثقافة المغربية ونظيرتها الأفريقية (الجزيرة)

وتحتفي هذه الدورة بالسينما الإيفوارية كضيف شرف، في سعي للاقتراب أكثر من خصوصية السينما في هذا البلد الأفريقي العريق، وتشخيص علاقات التواصل والاشتراك والاختلاف من خلال الاحتفال بنصف قرن من تاريخ السينما في هذا البلد، ذلك أن أول عمل سينمائي من الحجم المتوسط "على تل رمال العزلة" هو من إخراج تميتي باصوري، والمشاركة المكثفة للسينمائيين الإيفواريين بما مجموعه 16 شريطا، والمساهمة في عضوية لجنة التحكيم، فضلا عن تكريم بعض السينمائيين الإيفواريين.

وستُعرض ضمن هذا التكريم أربعة أفلام تمثل تجارب سينمائية مختلفة هي "باسم المسيح" لروجي كلوان مبالا و"بال بوسيير" لهنري ديبارك و"دجيلي و"حكايات اليوم" لكرامو لنسيني فاديكا و"صاحبة السكين" لتيميتي باصوري. وتحضر كوت ديفوار أيضا على رأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية في شخص المخرج المخضرم تيميتي باصوري.

إكراهات وتحديات
رغم التراكم الذي حققه المهرجان على امتداد 17 دورة، فإن كثيرا من العوائق تعترض طريقه، وذاك ما أكد عليه الحيسن الذي أشار إلى الإكراهات المادية التي رافقت الدورات السابقة وتسببت في عرقلتها غير مرة، فقد استطاع مهرجان السينما الأفريقية المنظم بخريبكة أن يفتح الحدود بين الثقافة المغربية ونظيرتها الموسومة بالأصالة الأفريقية عبر فيلموغرافيا طويلة وممتدة تندرج ضمن خانة السينما التي يسمِّيها كثيرون بــ"فن الفنون الممزوجة" باعتبارها إبداعاً ترسَّخت قواعده وأصبحت له لغته وبلاغته وتنظيراته الخاصة".

وفي الصدد نفسه، قال الحقيوي إن "المهرجان يعاني من ضعف الدعم المخصص له، حيث يأتي بعد مهرجان مراكش، وتطوان وطنجة، مما يضعه، من حيث القيمة في الترتيب نفسه خلف هذه المهرجانات، كما أن بعض الجهات خفّضت دعمها للمهرجان، ومسألة حصة الدعم عنصر جوهري في استمرار أي مهرجان".

كما يعاني المهرجان -بحسب الحقيوي- من محدودية أفقه التنظيمي الذي لم يستطع تطوير ذاته، سواء من حيث الأسماء المستقطبة أو عدد المدعوين، فضلا عن الإشكال المشترك بين مختلف المهرجانات، وهو نظرة المجتمع السلبية إلى مختلف هذه الفعاليات واعتبارها مناسبات لهدر المال العام.

المصدر : الجزيرة