أحمد الأنباري-بغداد

تميزت الرواية العراقية بتناول أحداث العنف كالقتل على الهوية والتهجير القسري والاحتقان الطائفي في عشرات الأعمال، بعضها أدرج ضمن القوائم القصيرة للبوكر، قبل أن تفوز رواية "فرانكشتاين في بغداد" بالجائزة.

القاسم المشترك بين روايات مثل "القتلة" لضياء الخالدي، و"خرائب بغداد" لوارد بدر السالم، و"طشاري" و"الحفيدة الأميركية" لأنعام كجه جي، و"يا مريم" لسنان أنطون، وغيرها، أنها سلطت الضوء على أحداث العنف وما خلفته من تداعيات أفرزت انقساما حادا بين المكونات العراقية.

وتناولت بعض الأعمال شخصيات وأحداثا واقعية كتعرض المسيحيين في العراق للتهجير، وما خلفه الغزو الأميركي للعراق بعد عام 2003 من انقسام مذهبي كان القتل على الهوية من أبشع مظاهره التي ما زالت تتكرر في ظل تدهور الأوضاع الأمنية ببعض المدن بفعل اتساع نشاط المليشيات والخارجين على القانون وعناصر الجماعات المسلحة.

جمعة عبد الله: اضطراب الأوضاع السياسية حاضر في العمل الروائي

جذور العنف
يرى الباحث والناقد الأكاديمي جمعة عبد الله أن الرواية العراقية مقارنة بنظيرتها العربية تميزت بتناول العنف بكل أشكاله، وعزا أسباب ذلك إلى اضطراب الأوضاع السياسية في العراق.

وقال للجزيرة نت "تناوُل العنف الذي شهدته البلاد طوال عشرات السنين الماضية تعود أسبابه إلى بروز صراع بين القوى السياسية العاملة في الساحة للوصول إلى السلطة، ومعروف أن أغلب الأدباء والكتاب العراقيين كانوا ينتمون إلى أحزاب فنقلوا تجاربهم إلى أعمالهم، ولعل أبرز هؤلاء فاضل العزاوي الشاعر الذي كتب رواية بعنوان "القلعة الخامسة" وعبد الرحمن مجيد الربيعي، و"المناضل" لكاتبها الراحل عزيز السيد جاسم، وهي الأخرى صورت ذلك الصراع السياسي المحتدم".

وأضاف عبد الله أن الأديب العراقي نتيجة لتأثره بأفكاره وانتمائه الحزبي لم يتحرر من الحزبية في نتاجاته، ولما كانت التجربة الذاتية تفرض وجودها حتى على أعماله الأدبية صدرت روايات ومجاميع قصصية سواء داخل وخارج العراق جسدت الصراع السياسي المصحوب بأعمال العنف منذ إعلان إقامة النظام الجمهوري في عام 1958، وهذا التراكم الكبير من الأحداث، وما وصلت إليه من بشاعة بعد الاحتلال الأميركي، حيث أصبحت العلامة الفارقة في الرواية وحتى الحقول الإبداعية الأخرى: التشكيل والمسرح والسينما.

مخلفات الحروب
اندلاع الحرب العراقية الإيرانية واستمرارها لثماني سنوات منحا الكتاب العراقيين -بوصفهم مجندين للخدمة العسكرية الإلزامية- فرصة المشاركة فيها، بعضهم فقد حياته وآخرون وقعوا في الأسر ومنهم من أصيب بإعاقة جسدية، وكان الإعلام الرسمي في ذلك الوقت يتبنى دعم ونشر نوع من الأدب التعبوي، يصفه الناقد أحمد الويس بأنه منح الأدب العراقي سمة مغايرة لكل فنون السرد في البلاد العربية الأخرى.

حميد المختار: من الصعب الكتابة عن العنف إن كان يشكل جزءا من يوميات الكاتب

وقال الويس للجزيرة نت "عندما يعيش الكاتب تجربة الحرب بكل تفاصيلها فسيدونها بأعماله، والأمر لا يقتصر على العراقيين، فأثناء الحرب العراقية الإيرانية تبنت وزارة الإعلام آنذاك إصدار أعمال ذات طابع تعبوي، ولم يقتصر الأمر على الرواية بل شمل المسرح والشعر والتشكيل، وفيها أعمال تميزت بمقومات فنية لأنها عكست معاناة إنسانية، فاكتسب الكاتب العراقي خبرة جديدة بطرائق وأساليب السرد، وعندما توافر له هامش من الحرية كتب أعمالا عاش تفاصيلها"، مشيرا إلى أن أحداث العنف التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية حضرت في مئات الأعمال الأدبية كجزء من حرص الكاتب على بث رسالة تتضمن الإشارة لما خلفه الاحتلال الأميركي من فواجع ونكبات تعرض لها العراقيون.

خرائب بغداد
لقد كان حادث اغتيال الإعلامية أطوار بهجت مادة رواية "خرائب بغداد" للكاتب وارد بدر السالم الذي يعد الأبرز بين زملائه في تناول أحداث العنف بأعماله.

وقال الكاتب للجزيرة نت "بعد عام 2003 شهد تاريخ السرد العراقي كمّا كبيرا من الإصدارات، وأنا ضمن هذا الجيل الذي واصل الكتابة في تناول أحداث العنف، وأصدرت "عجائب بغداد" متناولا أحداثا شهدتها العاصمة من 2006 إلى 2009 تمثلت بالمواجهات الطائفية راح ضحيتها آلاف الأبرياء، روايتي بدأت بحادث مقتل الإعلامية أطوار بهجت وانتهت بمقتل أحد شخوص الرواية بمعنى أنها بدأت وانتهت بمشاهد القتل".

أما القاص والروائي حميد المختار فيرى أن التجارب الجديدة من الصعب بمكان الكتابة عنها والكاتب لا يزال يعيش تفاصيلها. واعتبر أن بالإمكان الآن إصدار أدب حرب حقيقي مغاير لما نُشر في وقته، لأن الأعمال الجديدة ستكون بعيدة عن الانفعال والخضوع للضغط التعبوي، مضيفا أن لديه مشروع كتابة رواية عن العراق بعد الاحتلال يتناول فيها مقطعا كبيرا من الأحداث لأن واقعنا الحالي أكثر بشاعة، ويحتاج الكاتب إلى سقف زمني ليكتب تجربته بعيدا عن أي مؤثرات.

المصدر : الجزيرة