الكتاب ليس مجرد توثيق لمقتنيات منزلية، بل يمثل تاريخا بأكمله لكل عائلة فلسطينية عاشت الرحيل والنكبة، فبيوت الفلسطينيين عبارة عن "متاحف حية لشعب يحب الحياة"، حسب تعبير المفكر الحيفاوي الدكتور جوني منصور في تقديمه للكتاب.

توفيق عابد-عمّان

"بيت أبي له في القلب مفتاح.. سأبقيه عسى الأحفاد تُرجعه وتسكنه وتحميه". هذه رسالة الكاتب والشاعر سميح مسعود في كتابه "متحف الذاكرة الحيفاوية" الصادر قبل عدة أيام عن "الآن ناشرون وموزعون" في العاصمة الأردنية عمان.

والكتاب (136 صفحة) ليس مجرد توثيق لمقتنيات منزلية، بل يمثل تاريخا بأكمله لكل عائلة فلسطينية عاشت الرحيل والنكبة، فبيوت الفلسطينيين عبارة عن "متاحف حية لشعب يحب الحياة"، حسب تعبير المفكر الحيفاوي الدكتور جوني منصور في تقديمه للكتاب.

وتعكس المقتنيات -وهي مجموعات من السجاد والنحاسيات والزجاجيات والفخاريات والأثاث والنقود القديمة التي سُكّت من النحاس والبرونز والفضة والذهب الخفيف- ذكريات المكان المفقود وعلاقتها بصاحبها الذي تنقلت معه وكأن لسان حالها يقول "راح المكان، أما رائحته فباقية وذكرياته ثابتة ومنغرسة في العقل والقلب والفكر".

كما تجسد الأشياء التي تركها الأسلاف وديعة تحمل رائحة زمانهم وصدى حكاياتهم التي تحمل بعض التاريخ وكل الحنين.

وضمن المقتنيات نجد بعض الطوابع والمجلات العربية العراقية والمصرية والسورية والفلسطينية في أعدادها الأولى وحتى توقفها عن الصدور، وهذا يؤكد أن حيفا في ذلك الوقت تمثل مركزا للإشعاع الفكري.

نشوان: الكتاب ليس "ألبوم" صور لكنه تدوين للذاكرة والحياة في حيفا (الجزيرة)

حكايات ملحمية
ووصف المؤلف حيفا بأنها مثقلة بحكايات ملحمية توازي أضخم الروايات والملاحم عن مرارة المنافي والشتات والاقتلاع من الأرض والحرمان من الوطن، وهناك مصحفان كريمان عمرهما ثلاثمائة سنة كتبا بخط اليد، وعباءة نسائية عمرها مائة عام ومسطرة خشبية استخدمها المؤلف سنة 1947.

وحسب منصور، فإن خطوة الشاعر سميح مسعود تحمل معاني معنوية ورموزا إنسانية تضاف لما يسعى الفلسطيني لإبرازه، وهو تثبيت علاقته بوطنه وأرضه وتاريخه وحضارته، ويقول للعالم الذي ظلمه "إننا شعب حضاري، لنا دور في بناء الحضارة، شعب يحمل تاريخه على كتفه إلى أن يعود إلى وطنه".

من جهته، يرى الناقد حسين نشوان أن "متحف الذاكرة الحيفاوية" من الكتب العربية القليلة التي تناولت المقاربة بين الصورة والنص المكتوب وما بين الذاكرة والحنين إلى الماضي، فالكتاب قراءة تاريخية لأثر الأشياء التي شكلت وعي المؤلف والتاريخ الحضري لمدينة حيفا.

تدوين الذاكرة
وقال في حديث خاص للجزيرة نت إن الكتاب يضم مجموعة من المقتنيات المتنوعة التي يمكن تقسيمها إلى أدوات الاستعمال، وخصوصا التقنية التي كانت تمثل في أربعينيات القرن الماضي قمة التكنولوجيا كالهاتف والإنارة والراديو والكاميرا التي أصبحت من التراث القديم، لكنها كانت تشكل الباعث لحركة النهضة والاتصال آنذاك.

وحسب تعبير نشوان، فالكتاب ليس "ألبوم" صور، لكنه تدوين للذاكرة والحاضرة المدنية في منتصف القرن الماضي، نستطيع من خلالها قراءة تحولات المجتمع الفلسطيني الثقافية والاجتماعية والاقتصادية قبل الاغتصاب الصهيوني.

ومضي يقول إن "متحف الذاكرة الحيفاوية" يقارب بعض المؤلفات الأجنبية التي تعنى بالموروث الشعبي المادي كنوع من التاريخ الاجتماعي والثقافي، ومن هنا تكمن أهمية هذا التاريخ الحسي الذي ينقل أيضا الصورة عن زينة المرأة و"إكسسواراتها" ومؤثثات جمالها من المرايا والمكاحل والأساور والأحزمة الفضية وعقود الخرز والملابس والأزياء التي تمثل هوية المرأة الفلسطينية وعنوان المجتمع.

والآن -والحديث لنشوان- يكاد الموروث الشعبي يندثر نتيجة العولمة ومحاولات الكيان الصهيوني محوه أو تزييفه أو تشويهه، فقد استخدمت مضيفات شركة "العال" الإسرائيلية مطرزات فلسطينية كأزياء يهودية.

وهذا يؤكد أن حيفا كانت حاضرة ثقافية واجتماعية وتقنية ولم تكن مجرد مجتمع بسيط، بل كانت على درجة عالية من التعقيد، ففيها الصحافة والوكالات الاقتصادية والتجارية ومجموعات الاتصال. وقال نشوان إن البرلمان المصري عقد جلسة خاصة عندما سقطت فلسطين عام 1948 لدراسة الأثر الاقتصادي على المطبوعات المصرية.

وحسب نشوان دائما، فإن الحركة الصهيونية لم تحتل الأرض فقط، بل دمرت حضارة ضاربة في التاريخ، وهي حضارة البحر والتراث العربي الإسلامي التي استطاعت أن تؤسس ثقافة كانت تضيء على سواحل البحر المتوسط.

الطراونة: الكتاب وثيقة تشغل حيزا في ذاكرة الجيل الجديد داخل وخارج فلسطين (الجزيرة)

ذاكرة المقاومة
بدوره، يرى الناقد أحمد الطراونة أن "متحف الذاكرة الحيفاوية" يحيي ذاكرة المقاومة التي لا بد من الاستناد إليها في سياق مشروع الأمة المقاوم، حيث يقدم المؤلف سيرة ذاكرة من خلال رصده عددا من الأدوات والمقتنيات الشخصية التي ترتبط بمدينة حيفا.

وقال إن الكتاب يسجل بالصورة واقع المدينة الثقافي قبل الاغتصاب الصهيوني، ويعتبر وثيقة مهمة يقدم خلالها المؤلف نماذج ثقافية عصية على الاقتلاع من جذورها الثقافية، ليصبح الكتاب وثيقة تاريخية وثقافية في وجه محاولات الطمس والإخفاء المتعمد لموروثنا الثقافي في فلسطين.

وحسب الطراونة، فإن المؤلف حجز من خلال الكتاب/الوثيقة حيزا في ذاكرة أبناء الجيل الجديد داخل وخارج فلسطين، وجعل المكان حاضرا بما ارتبط به من أدوات جمعها وقدمها.

ومن الجدير ذكره أن حيفا عروس الكرمل والبحر قد سمّاها الآباء قديما "أم العمل" و"أم الفقير"، كونها حاضنة محبة وشغوفة لطالبي العيش الكريم، واستقبلت عائلات لبنانية وسورية ومصرية وأردنية صهرتهم وجبلتهم على التفاني بعشقها.

المصدر : الجزيرة