أمير تاج السر*

الذين يشتغلون بمسألة الإبداع، شعرا ونثرا، تصادفهم ولا بد أفكار كثيرة يستوحون منها كتابتهم، والموهوبون منهم عادة يستطيعون أن يصنعوا من أي فكرة، حتى لو كانت مجرد جنين، غير واضح الملامح، ورد إلى الذهن فجأة، كتابة كبيرة، أو عالما واسعا يضج بالحياة كلها.

وهناك أفكار بعينها تبدو لي محورا هاما، تدور حوله القصص والروايات، وتأتي في كل مرة بثوب جديد، مختلف عن ثوب ارتدته من قبل، بمعنى أن كل مبدع استوحى تلك الفكرة، كتبها بطريقة مختلفة عن غيره، حتى لتبدو كأنها فكرة جديدة.

أعتقد أن أهم تلك الأفكار التي ذكرتها: تتبع الأحداث التاريخية، خاصة الثورات، والحروب، وإعادة إنتاجها، كتابة الحب من طرف واحد أو طرفين، كتابة التحولات في مجتمع ما باستخدام أدوات إما شديدة الحدة، وإما ناعمة، ثم ما أعتبره موضوعا حيويا جدا، وهو الاستلهام من الكوارث، وكتابتها بطرق مختلفة في الروايات.

الكوارث بالطبع أنواع كثيرة، منها ما تصنعه الطبيعة أو ما يترادف وجوده مع حياة الإنسان منذ وُجد، مثل الأوبئة المختلفة والزلازل والأعاصير والفيضانات، ومنها ما يصنعه الإنسان نفسه في سعيه الدائم للسطوة والسيادة وقهر بني جنسه، مثل الأسلحة الذرية والنووية والكيميائية، لنحصل في النهاية على كارثة حقيقية، بكل وقاحة المأساة ودمامتها، وأرجلها الكسيحة، وتلك الأرواح المحترقة التي تركتها، وأعني هنا كارثة هيروشيما ونجازاكي المعروفتين.

براعة المبدع
بالنسبة للأوبئة وانتشارها، وحتى للكوارث الأخرى، ماذا يمكن أن تقول الرواية عن ذلك؟ وكيف يمكن تحويل كآبة ورعب وموت أرعن، إلى رواية يمكن أن يقرأها أحد وهو مستلق على سريره قبل النوم، أو جالس على مقعد نظيف في مكان بعيد تماما عن المآسي؟

الموضوع هنا يعتمد على براعة المبدع، ولغته وقدرته على تخفيف الألم أو الصدمة بأسلوب ما، يرشفه القارئ ولا يحس بطعم المرارة الفادحة فيه إلا قليلا، وهنا أزعم أن الصياغات الأدبية الراقية، والجمل الشعرية التي تدغدغ الحواس وتذيبها، لها دور كبير، بعكس المباشرة الفجة، التي ربما تصنع كابوسا مزعجا للقارئ، وتمنعه من إكمال العمل..

القارئ الحقيقي، على الرغم من بحثه الدائم عن المعلومة، فإنه يريدها أن توضع في ذهنه بطريقة هادئة، لا بطريقة خشنة وقاسية، وهذا ما يجعل أعمالا معينة صدرت، وتحدثت عن موضوع مشابه، تختلف في عملية نجاحها

فالقارئ الحقيقي، على الرغم من بحثه الدائم عن المعلومة، فإنه يريدها أن توضع في ذهنه بطريقة هادئة، لا بطريقة خشنة وقاسية، وهذا ما يجعل أعمالا معينة صدرت، وتحدثت عن موضوع مشابه، تختلف في عملية نجاحها. ففي حين نجح بعضها في زمن صدوره، واحتل قائمة المبيعات، وأنتج أفلاما سينمائية بعد ذلك، أخفق البعض أو لنقل أن نجاحه كان أقل، ولو صيغ بطريقة أفضل لنجح أكثر بلا شك.

الأسلوب الأدبي، هذا ما أشدد عليه دائما حين أسأل عن أهم أدوات صناعة الكتابة الروائية، وأعرف كتّابا جعلوا منهج الرياضيات الجاف موضوعا لكتابتهم، ونجحوا في اجتذاب القارئ، بسبب الأسلوب السهل السلس، وآخرين تحدثوا عن الورد والزهر، ومواسم الربيع، ولم يجذبوا أحدا، وذلك بسبب خلل الأسلوب.

في نماذج لقراءاتي، أعرج على نصين استحضرا كارثة هيروشيما، وصاغاها روائيا، مستخدمين تقريبا معظم المعلومات التي وردتنا عن تلك الكارثة التي لم يكن يظن أحد أن اليابان ستتجاوزها، لتصبح بعد سنوات قليلة، أعظم دولة صناعية في العالم، ذلك ما حدث حين ألقيت القنبلتان الذريتان على هيروشيما ونجازاكي.

النصان هما: "الظلال المحترقة" للباكستانية التي تكتب بالإنجليزية كاملا شمسي، والآخر: "القطار الأخير من هيروشيما" للكاتب الأميركي تشارلس بلغرينو. حقيقة لا أعرف متى صدر الكتابان بالضبط في لغتهما الإنجليزية، لكنهما نقلا للعربية في فترة متقاربة، ربما بفارق عامين أو ثلاثة.

أسلوب شاعري
لقد قرأت الكتابين بالطبع، وحصلت على معلومات كثيرة ومهولة عن تلك الكارثة الملهمة ربما لكثيرين غير كاملا وبلغرينو، عثرت على شخصيات متعددة، على ظلال مرسومة في الهواء الملوث، وشوارع خلت من الحياة، وأطراف ممزقة، وأرواح هائمة تبحث عن أجساد ترتديها، وأيضا قصص حب ضائعة، وأمومة انتهت بلا معنى، وكثير جدا مما يرد في الروايات، وما لا يمكن أن يرد إلا في روايات البؤس وحدها.

كنت أقرأ قطار هيروشيما الأخير، وأحس بأنني أقرأ درسا مزعجا في تاريخ الكوارث، وتلازمني رائحة الجثث المحترقة، ورائحة القيء الذي خرج من الأحشاء في حدائق كانت مليئة بالياسمين واختلطت برائحته

بلغرينو استخدم الوثائق والشهادات المباشرة لأحياء نجوا من الحادث، وشهود، إما ساعدوا في صناعة القنبلتين، أو إطلاقها، وإما كانوا قريبين من الوهج ساعة أن انطلق وأطفأ الحياة في مدينتين يابانيتين.

كنت أقرأ قطار هيروشيما الأخير، وأحس بأنني أقرأ درسا مزعجا في تاريخ الكوارث، وتلازمني رائحة الجثث المحترقة، ورائحة القيء الذي خرج من الأحشاء في حدائق كانت مليئة بالياسمين واختلطت برائحته، أتعجل الانتهاء من الكتاب، وربما تجاوزت بعض الصفحات، الممتلئة بمعلومات لا يريد الذهن أن يستوعبها.

بالنسبة لكتاب كاملا شمسي، كان الأمر مختلفا. هنا توجد قصص الحب وسط الحطام، يوجد الأسلوب الشاعري الذي يجعلك تعيش الليل كله مع جثة من دون أن تحس بغربة أو وحدة أو فزع، وتقنية الرواية أيضا كانت مختلفة، حيث تنتقل من مكان إلى مكان، متتبعة الشخوص، وتعود لمكان الكارثة من دون أن يحس القارئ، إنه خدع في خط السير، وأخذ من محطة كان يتتبعها إلى محطة أخرى وأعيد، بنفس حافلة القراءة التي تقل ذهنه.

هذا كان رأيي الشخصي في أعمال أطالعها كقارئ، بعيدا عن أي محاولات لجرها نحو طريقتي في الكتابة، ولكي أكون منصفا في النهاية، أعود لأقول ما قلته في مقالات سابقة: إن الكتابة مدارس مختلفة، والقراءة أذواق مختلفة، وما يعجبني قد لا يعجب الآخرين، وهكذا نكتب ونقرأ، ونعيش جميعا محبين للآداب بشتى مدارسها.
----------------------------------
* روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة