إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

تندرج رواية "كاريزما" للروائية اللبنانية هالة كوثراني ضمن رواية الأطروحة النسائية التي تتخذ من السرد قناعا فنيا للمرافعة ضد القهر الذي تعانيه المرأة عبر التاريخ، وهو شكل من أشكال الاحتجاج، وإعلان التمرد على المنظومة الثقافية التي تهمش حواء، وتجعل منها أداة في يد سلطة التقاليد والأعراف الذكورية.

ورغم كون هذه الرواية ليست سابقة في هذا الموضوع، فإن أسلوب المعالجة الفنية التي اختارتها الروائية كوثراني، جعل منها تجربة سردية مختلفة ومتميزة، ليس فقط على مستوى الصياغة الأدبية، بل كذلك على مستوى بناء الشخصيات، وتبادل الأدوار والعلاقات في زمن سردي شبه دائري.

وتتأسس حركية الرواية على ثلاث شخصيات، هي عزة، ورشا، وتاج... ثلاث نساء من أجيال مختلفة ومتعاقبة، يتبادلن أدوار الفعل السردي من خلال السارد-الشخصية "رشا" التي تحكي عن تاج من خلال البحث عن تاريخ نضالها، ومعاناتها، وسيرتها الدرامية، التي انتهت بإعدامها شامخة مرفوعة الرأس.

ثم تحكي رشا عن عزة، المرأة العجوز الجريحة التي فقدت زوجها الميت وابنها المختطف، لتعيش وحيدة بين أربعة جدران لا يؤنسها سوى خادمتها رملة، وصوت ابنها البعيد عبر الهاتف من حين لحين، قبل أن تجود عليها السماء برشا التي آنست وحدتها، وفتحت لها أفق حب الحياة والتمسك بها عبر فعل القراءة وتتبع حكاية امرأة تريان فيها معا طموحاتهما المجهضة.

وتتشابه حياة الشخصيات الثلاثة (رشا-عزة-تاج) على مستوى الطموحات، والملامح، والرغبات المعلنة منها والسرية... وإن كانت تفرق بينهما الأزمنة والأمكنة.

فقد عاشت تاج منذ قرنين، وعزة بالكاد، تعيشها أيامها الأخيرة، أما رشا الشابة المتعلمة، فتشكل استمرارا لحياتيهما معا، لقد ماتت تاج أو بالأحرى أعدمت، وماتت عزة في نهاية الرواية، بعد أن بدأت حياة جديدة مع قصة تاج التي حكتها لها رشا.

كل من تاج وعزة ورشا متعلمات، ويمارسن مهنة التعليم، وكل منهن عانى من سلطة الرجل وقمعه، وفشلن في إقامة علاقات زوجية تقوم على المحبة والتفاهم والاحترام، وكلهن عشن تجربة الحرمان من الحب والدفء العائلي
قضية ملحة
ورغم موت كل من تاج وعزة فإنهما كقضية ملحة من خلال طموحات رشا ورغبتها القوية في التغيير التي أذكتها أرواح النساء اللائي ضحين من أجل فك القيود المتسلطة.

لقد كانت كل من تاج وعزة ورشا متعلمات، ويمارسن مهنة التعليم، وكل منهن عانى من سلطة الرجل وقمعه، وفشلن في إقامة علاقات زوجية على المحبة والتفاهم والاحترام، وكلهن عشن تجربة الحرمان من الحب والدفء العائلي... وجاء في الرواية على لسان السارد "ثمة ما يجمع بينهما أم ترى تاج موجودة في النساء المظلومات كلهنّ؟".

يبدو أن الرسالة الفكرية التي تنهض عليها الرواية تتعلق أساسا بتقويض كل أشكال الاستبداد والقهر التي تعرضت لها المرأة ولا تزال، وهي سلط تمجد الذكورة على حساب الأنوثة، وتنتصر لمنظومة القيم الثقافية التي ترسخ مبدأ الوصاية والإجهاز على حقوق المرأة والتحكم فيها.

وهذه القيم ثقافية سعت الروائية، عبر سردها، إلى تشخيص فداحتها، وتشويه أسسها الواهية، وتفكيك أوهام التمسك بها، عبر نقدها، والتصدي لها من خلال إبراز قدرات المرأة، وشرعية اختلافها مع الآخر، وحريتها في اختيار مصيرها، وتقرير حياتها، وانتقاء علاقاتها وأدوارها في المجتمع، بعيدا عن الوصاية الثقافية والسياسية والاجتماعية لأي كان.

وتجلت مظاهر التمرد على السلط في الرواية من خلال انكباب شخصية "تاج" التي عاشت قبل قرنين على التعلم ودراسة الفقه واللغة والتاريخ خلسة من أبيها الفقيه، حيث كان التعلم والمعرفة حكرا على الرجل دون النساء.

ثورة وانتقام
وكلما ازدادت معرفة "تاج" تأكدت لها رغبتها في الثورة على أعراف المجتمع المغلفة بالكثير من الأباطيل والعوائد الزائفة، فبدأت تشحن النساء، وتعلمهن، وتوقظ ضمائرهن، وتشعل حماستهن لمعانقة الحرية التي وهبهن الله.

من خلال اختيارها لشخصيات نسائية من أزمنة تاريخية متلاحقة، أعادت كوثراني كتابة تاريخ الظلم الذي تعرضت له المرأة عبر العصور، لذلك تركت المكان والزمان مبهمين، لتعولم قضيتها، وتجعلها كونية

وبيّنت الرواية أن النقطة التي أفاضت الكأس، وحرضت السلطة على الانتقام منها هي تمرد هذه الشخصية على مؤسسة الزواج، ورفضها العودة إلى بيت زوجها رفضا للأسرة والقضاء والمجتمع، وتحريض النساء على رفض سجون بيت الزوجية التي لا تتوفر فيها شروط الحياة الكريمة للمرأة، مستغلة مقدرتها على قول الشعر، وهو ما أثار حولها زوابع النقمة من لدن المؤسسات والأفراد في مجتمع ذكوري، فاقتيدت إلى السجن، ومن ثم إلى الإعدام.

وقد شكلت هذه القصة الدرامية، مادة الرواية، التي شدت لحمة جماعة النساء في النص، فرحن يلتمسن الخيوط الموصلة إلى بهاء الشاعرة القتيلة، التي وهبت نفسها في سبيل النهوض بمستوى المرأة، وتحويلها إلى امرأة "تقرأ وتصبح رغبتها في تغيير العالم أشد إلحاحا، فتبدأ التغيير من بيتها بتحريك الأدوار الاجتماعية الثابتة والمقدسة، التي تضع النساء في مرتبة دنيا والرجال في أعلى المراتب".

ومن خلال اختيارها لشخصيات نسائية من أزمنة تاريخية متلاحقة، أعادت كوثراني كتابة تاريخ الظلم الذي تعرضت له المرأة عبر العصور، لذلك تركت المكان والزمان مبهمين، لتعولم قضيتها، وتجعلها كونية، ووضعت بين شخصيتين معاصرتين مادة ثرية حول امرأة كتبت صوتها شعريا بمداد من دم، امرأة تشبهها كل النساء التائقات للحرية والعيش الكريم، امرأة ماتت إعداما، لكن صداها بات يلاحق الظالمين، عبر التاريخ، مثل لعنة. 

المصدر : الجزيرة