عبد الرزاق بوكبّة
 
عرفت الشعرية العربية تحولات عدة في مراحل تاريخية مختلفة، من العصر الجاهلي الذي أسس لعمود الشعر العربي، مرورا بالعصرين العباسي والأندلسي اللذين غذياها ببعض مقولات المدينة، وصولا إلى القرن العشرين الذي عرف أكبر عملية تحديث شعري شكلا ومضمونا.

ويبدو ملحا معرفة آراء الأصوات الشعرية الجديدة ورصد بعض هواجسها في يتعلق بالفعل الشعري العربي، وتقاطعاته مع الماضي والحاضر والآخر، ووعيه بدوره في زمن عربي متحرك، في ظل ذائقة عربية تصرُّ على الانتصار للقديم، واعتباره النموذج، واستهجان الجديد واعتباره المروق القادر على نسف هوية الأمة وقلب نواميسها.

ويرى الشاعر العراقي ميثم العتابي أن أبرز ما ميز الفترات السابقة للشعر العربي غرقه في الحلم الفائض، والمثالية في تبني الأفكار التي شطحت بالشاعر والمتلقي معا، في هوّة من اللاشيئية والانكسار والخيبات المتعاقبة، خاصة حين تبنى الشاعر توجهات آيديولوجية أودت بمشروعه الشعري إلى الفئوية الضيقة على حساب الأفق الشعري الشاسع.

الشاعر العربي اليوم مطالب بتحريك بركة السؤال الهامدة، من خلال استمراره في رمي حصى المعرفة والحبّ، معيداً بذاك إنتاج القيمة الحقيقية للحياة والعالم

ويؤكد صاحب ديوان "ألواحي" للجزيرة نت على أن الشاعر العربي اليوم مطالب بتحريك بركة السؤال الهامدة، من خلال استمراره في رمي حصى المعرفة والحبّ، معيداً بذاك إنتاج القيمة الحقيقية للحياة والعالم.

ويقر الشاعر الجزائري محمد قسط لجيل الرواد بأنهم مهدوا الطريق نحو الحداثة، ولعبوا دورا كبيرا في برمجة القصيدة العربية على المستقبل، حيث فكك أمثال أدونيس والماغوط وأنسي الحاج الصورة القديمة لبنية النص، وخلخلوا المفاهيم، مما أحال الذائقة العربية على مأزق حقيقي.

مهمة التحديث
وسألت الجزيرة نت الشاعر الجزائري الشاب عمّا إذا استطاع جيله أن يكمل مهمة التحديث هذه، أم أنه أسس لموجة ثانية من التقليد، فقال إن أكبر خطوة خطاها هذا الجيل هي أنه ربط القصيدة بالحياة أكثر، وأعطى الأولوية للحالة الإنسانية، وباشر بحثا شغوفا عن موسيقاه الخاصة.

وعدد الشاعر اليمني فتحي أبو النصر الفتوحات الشعرية للجيل الجديد، فذكر منها "حساسية ملفتة في مسألة التجريب خصوصا، ومعايير غير مغلقة ساهمت في خلق رؤية فلسفية ومعرفية أعمق".

وقال صاحب ديوان "الغياب يد ثالثة" إن قصيدة النثر تقوم على أساس الرفض واجتراح الجديد، وإن النص المفتوح لا يصادر قيمة انصهار الأشكال الكتابية في بعضها، فالصيغة الشعرية بحسب رأيه  تمثل مظهراً للتفرد الرؤيوي، بينما الإيقاع والأغراض ليست ثيمات يجب التعامل معها بصفتها مسلمات.

وقال الشاعر المغربي عبد الواحد مفتاح إن المحاذير السياسية والدينية التي يذخر بها الفضاء العربي حالت في مرحلة معينة دون توغل الشاعر العربي الجديد في المقولات الكونية للشعر، لكن الفتوحات التكنولوجية، وما أفرزته من وسائط جديدة في الاتصال حررت صوته، وبرمجته على الحرية، بعيدا عن سلطة الناشر ورقابة المؤسسات الرسمية.

لميس سعيدي: تراجع الحداثة خلق التقسيمات بكتابة الشعر بحسب جنس كاتبه (الجزيرة نت)

وأشار صاحب ديوان "تعب المسافر" إلى أن الشعراء العرب الجدد كوّنوا لأنفسهم بفعل هذا الانفتاح رؤية مرجعية تتقاطع في معظمها مع ما هو كوني وعالمي، مستشهدا بالجوائز التي باتوا ينالونها في الفضاءات الغربية، وفرص الترجمة التي تحظى بها أعمالهم.

وسألت الجزيرة نت الشاعر العُماني زهران القاسمي عما إذا كان يرى أن هناك شعرية مشرقية متميزة بخصوصياتها عن الشعرية المغاربية، فقال إن قنوات الاستقاء التي ترفد الوعي العربي كلها واحدة، رغم تنوع المكان الجغرافي، وما يزخر به من خصوصيات في العادات والطقوس.

هواجس مؤنثة
وتوجهت الجزيرة نت إلى الشاعرة المصرية نجاة علي بسؤال التأنيث في الشعر العربي الجديد، فأبدت تحفظها من النظر إلى الشعر من زاوية جنس من يكتبه، واستخفت بمصطلح "الأدب النسوي" بالنظر إلى ما ينطوي عليه من تعسفات.

وقالت صاحبة ديوان "مثل شفرة سكين": "على الشاعر -إذا أراد أن يكتب نصا ناضجا- أن يتجاوز بوعيه حين يكتب فكرة الجنس الذي ينتمي إليه، كما يتجاوز بنفس الدرجة الأفكار السائدة عن النوع الأدبي الذي يقدمه. وتكون اهتماماته بطرح أسئلة وجودية عميقة. وأن تتخذ كتابته بعدا إنسانيا".

وبرأي الشاعرة الجزائرية لميس سعيدي، فإن تراجع مشروع الحداثة في الوطن العربي هو الذي خلق هذه التقسيمات السطحية التي تقفز على قضايا جوهرية، مما أفرز وفق رأيها نصوصا تفتقر للرؤية المختلفة والعميقة لكيان المرأة، وبالتالي لكيان الإنسانية.

وحمّلت الشاعرة الجزائرية قطاعا من الشاعرات العربيات مسؤولية تكريس هذه النظرة باكتفائهن بالدوران في فلك أنوثة تشبه إلى حد كبير الأنوثة التي سُجنت فيها المرأة من منظور ذكوري ضيّق.

المصدر : الجزيرة