محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

استقبلت الأوساط الثقافية السودانية بكثير من التأويلات والأسئلة رواية "زهرة الصبار" للروائي الزين بانقا الفائز بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي عن روايته "مخمسات ضوينا الأعرج" في دورتها الأولى فبراير/شباط 2011.

يعتبر بانقا من الأصوات السردية التي ظهرت في بدايات ثمانينيات القرن المنصرم بوصفه كاتب قصة، ثم اختفى لسنوات ليعود بأربع روايات هي "مخمسات ضوينا الأعرج" و"زوجة جدي حسب الله" و"وليمة الذئاب" وأخيرا "زهرة الصبار" التي صدرت قبل أيام عن دار المصورات السودانية.

يقول الزين بانقا للجزيرة نت إن "زهرة الصبار تحاول أن تتعدد في سياق معرفي آخر عبر علاقة جدلية مستمرة بين الواقع وسيرورة الإنسان، لا تقف عند صدفة معينة، بل تتجاوز التاريخ لرسم أفق تاريخي جديد".

تقاطعات سردية
تصوغ رواية "زهرة الصبار" عالما واقعيا ومتخيلا وتاريخيا في آن من زاوية علاقات الرق في المجتمع السوداني القديم، اعتمادا على مادة تاريخية موثقة اجتماعيا لفترات استعمارية ألقت بظلالها القاتمة على أحفاد أرقاء ورثوا تلك العلاقات مع تعاقب الأجيال، والالتباس يتضح جليا في الإصرار على تخفي التاريخ بالتخيل.

الروائي الزين بانقا (الجزيرة)

وقد استفاد الراوي في بنائه لشخصياته من الحالة النفسية والمجتمعية للشخوص الروائية والمقدرة على الفصل التام بين سرد الكاتب وصوت الراوي العليم لكي لا تتشابه الصور السردية لدى القارئ فتخرج من المتخيل إلى الواقع الحقيقي.

هذه السيرة الذاتية المجتمعية تؤسس حيوات أبطال الرواية على تشابكات القيد المطلق ومطلب الحرية المطلقة للخروج من قيود الماضي، إذ إن علاقات الرق القديمة لا تزال تلقي بظلال سالبة خصوصا في الأطراف: "جدك عبد الكافي يا دكتور ريحان كان صبيا في العاشرة، حين انتهى به الرق عند الخواجة دمتري إسطافنوف بأنفه المعقوف، وقامته الفارعة القوية، كان يبدو واحدا من الشياطين الذين اختاروا المدينة الموشحة بالرمل لغواياتهم، إلا أنه راح يظهر الكثير من العطف على جدك".

جرأة في تناول المسكوت عنه
ويرى نقاد أن ثمة ظاهرة مشتركة في كتابة المسكوت عنه تجلت في روايات عبد العزيز بركة ساكن وسارة الجاك وعادل سعد والزين بانقا، تمثلت في حسابات المكسب والخسارة للشخوص الروائية، وتحسب المخرجات التي لا تأخذ بالثنائيات والنتوءات داخل حركة المجتمع: عربي أفريقي، وتركي أرمني، أو إنجليزي إيطالي، أو هكسوسي فرعوني.

الناقد عيدروس: رواية الزين بانقا تحتشد بصور حية، وقد مكنه عمله في وزارة الصحة من أن يطوف في البيئات السودانية المختلفة بالذات في غرب وجنوب السودان

وكلها تحكمت في الأرض الجغرافيا ونتجت عنها ذاكرة عربية نوبية، وتعكس الهوية المكتسبة في ظل التعدد الإثني وثقافة راسخة ظلت على مدى آلاف السنين تمثل البوتقة التي انصهرت فيها أقاليم السودان.

ويرى الناقد مجذوب عيدروس أن الزين بانقا يهتم بالتفاصيل السودانية المحلية وبالذات في غرب السودان والأماكن الطرفية للمدن، وهو يمتلك جرأة كبيرة في تناول بعض المناطق الحساسة في الحياة الاجتماعية. ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن رواية بانقا تحتشد بصور حية، وقد مكنه عمله في وزارة الصحة من أن يطوف في البيئات السودانية المختلفة بالذات في غرب وجنوب السودان.

في حين يقول الناقد عامر محمد حسين للجزيرة نت إن هذه الرواية تمثل في زمن الانفجار السردي بحثا عن الهوية من زاوية نظر منفتحة وغير مغرقة في جلد الذات، مع خروجها عن آلية التجريم السردي التي انتظمت بعض الكتابات السردية مؤخرا. ويضيف عامر أن الحياة الاجتماعية السودانية تحتوي أسرارا، ومسكوتها أكبر، ولكن الزين بانقا بفنه وذكائه السردي أقام بناء ضخما قد يدفعه لمتابعة حيوات من كتبهم في هذه الرواية في روايات قادمة.

المصدر : الجزيرة