ابراهيم الحجري- الرباط

يعرض في القاعات السينمائية في المغرب الآن، فيلم "عيد الميلاد" الذي أخرجه لطيف لحلو، بعد أن استغرق تصويره ستة أسابيع في الدار البيضاء وأسبوعا واحدا في باريس.

وقدم المخرج فيلمه بعبارة مثيرة قال فيها "أحب أن أبدأ من العالم الأصغر، أن أبدأ مثلاً بزوج، ومن هناك أوسع زاوية رؤيتي لتشمل أسئلة ذات نطاق أوسع تطوق المدى الاجتماعي بأكمله".

ويسعى لحلو في هذا الفيلم للتوغل في عالم مختلف داخل المجتمع المغربي، هو الطبقة الوسطى المتحضرة، حسب ما جاء في تقديمه الإعلامي لعمله. ويبرر المخرج توجهه هذا بقوله "بعد العمل على أفلام تناولت طبقات اجتماعية مختلفة، أتوقف الآن عند الطبقة الوسطى لأنني أعرف هذه الطبقة، كما أنها طريقة لنقد سلوكيات بعض أعضائها والتي تتسم بالأنانية والغرور".

لحلو: الفيلم طريقة فنية لنقد سلوكيات بعض الأسر التي تتسم بالأنانية والغرور (الجزيرة)

مجتمع مفارق
ويوضح الممثل يونس ميكري قصة الفيلم ومسوغاتها بقوله إن الفيلم يدور حول قصة ثلاثة أصدقاء، رجلين وفتاة، كانوا أصدقاء في فترة السبعينيات، حيث كانوا مجموعة من الشباب الثائرين الذين يريدون تغيير العالم من حولهم، ولكن فيما بعد، سلك كل منهم طريقه المختلف.

ويستمر ميكري بأن سعيد -الذي يلعب هو دوره- تزوج الفتاة وأصبح مهندسا، وتابعت الفتاة دراستها والصديق الثالث واسمه أحمد أصبح برلمانيا. وكان لسعيد حلم تحقيق مدينة خضراء تتألف من مياه معالجة وأماكن خضراء تحافظ على البيئة واستعمال الطاقة الشمسية، ولكنه لم يستطع إيجاد موارد مالية ليحقق هذا الحلم الذي راوده لسنين.

ويلتقي سعيد بعد 25 سنة صديقه الذي أصبح برلمانيا، ولكن هذا الأخير، يحاول استغلاله من أجل مآرب سياسية وربحية.

خارج المجتمع
لكن الناقد الفني إسماعيل عزام كان له رأي آخر من خلال تحليله لهذا الفيلم، إذ يرى أنه "باستثناء الشخصيات، وبعض الشوارع التي تجري فيها الأحداث، واللغة الدارجة التي لم تسلم في فترات كثيرة من مصطلحات فرنسية، فلا شيء في الفيلم يدل على كونه مغربيا".

ويوضح عزام وجهة نظره بأن الفيلم يغرق في تصوير نمط حياة أسر معيّنة بكثير من الرتابة وخيّب تطلعات كثيرين جاؤوا لمشاهدته.

عزام: حياة الأسر التي استهدفها الفيلم قريبة للغاية من حياة الطبقة الوسطى الفرنسية (الجزيرة)

وأضاف بأن التوصيف الذي قام به الفيلم بالغ في إلصاق سمات كولونيالية على الأسر المنتقاة ووضعها ضمن تفاعل محدود، وكأنها خارج المجتمع.

وذهب عزام في وجهة نظره للقول إن الشريحة الاجتماعية التي يتناولها الفيلم قريبة للغاية من الطبقة الوسطى الفرنسية، إذ شحن المخرج فيلمه بمشاهد ابتعدت بالمشاهد من مجتمعه، وأدخلته في ركن من حياة قد لا تشكّل في المغرب إلا حالات قليلة للغاية.

وأورد عزام أمثلة على ذلك مثل كؤوس الشامبانيا التي تُشرب في جميع المناسبات، وربة الأسرة التي ترتدي لباسا أصغر بكثير من عمرها، وتهتم بجسدها بشكل أخذ الكثير من وقت الفيلم، والعلاقات الدائمة خارج إطار الزواج، والفتاة التي ترتاد الملاهي الليلية، والحفلة بنفس الإيقاع الأوروبي، والوجبات الغذائية البعيدة عن المطبخ المغربي، وما إلى ذلك.

أما الجديد في الفيلم، فيما يتصل بالممثلين -وفقا لعزام- فهو وجود سناء العاجي التي عرفها المتلقي المغربي سابقا كصحفية ومحللة اجتماعية، ولمن يعرف كتابات العاجي، فقد أتى الدور مشابها لقناعاتها وقريبا من عملها، "ما دامت قد أدت دور رئيسة تحرير مجلة مطبوعة".

وبالمقابل يذهب الصحفي والناقد الطاهر الحمزاوي في تعليقه على هذا الفيلم قائلا إنه نجح في تسليط الضوء على القيم الأخلاقية والروابط الاجتماعية السائدة داخل أوساط الأثرياء في المدينة، حيث المصير المظلم هو ما ينتظر شريحة كبيرة من أسرهم "فهي غارقة في المظاهر الاجتماعية وساعية وراء المصالح المادية البراقة، مما ينتج عن ذلك واقع خادع ومفكك".

الحمزاوي: الفيلم نجح في إبراز المفارقة بين نموذجين أخلاقيين داخل الطبقة الوسطى(الجزيرة)

ويضيف الحمزاوي أن المخرج وُفق في إبراز المفارقة بين نموذجين أخلاقيين داخل هذه الشريحة، مشيرا إلى أن الفيلم في عمقه يقدم صورة مأساوية للمصير الذي يسقط فيه عدد كبير من أبناء هذه الأوساط الثرية التي تبني "سعادتها" على الرفاه المادي وهاجس النجاح الفردي، متجاهلة تعهد أبنائها بالرعاية والتوجيه اللازمين.

وقال الحمزاوي إن ما ذهب إليه يظهر من خلال حادثة السير التي ذهب ضحيتها شاب مفرط في الرعونة، وموت آخر على عتبة المراهقة، تحت تأثير جرعة مخدرات زائدة.

أدوار نمطية
شارك في التمثيل عدد من الفنانين المغاربة من بينهم يونس ميكري وآمال عيوش وحميد باسكيط وناديا كوندا وعمر لطفي وسناء موزيان وسناء العاجي ومحمد مروازي وفاطمة الزهراء الجوهري وعزيز الفاضلي وهم ممثلون معروفون في الوسط السينمائي المغربي، وقد عهدهم الجمهور المغربي، سواء من خلال الاطلاع على أعمالهم في القاعات أو عبر الشاشة، فضلا عن كون أغلبهم وجوها معتادة في المسرح المغربي.

ولم تبتعد الأدوار التي أسندت للممثلين في فيلم "عيد الميلاد" عن الأدوار التي ألفوا لعبها في أعمال سابقة، وهو ما عبر عنه عزام بقوله إن آمال عيوش استغلت تجاربها السابقة في أدوار متقاربة، لتؤدي دور ربة الأسرة العصرية التي تحتفل بعيد ميلادها كل سنة بدعوة أصدقائها، ربة أسرة مرهفة الحس تعتني بحياتها وبمحيطها.

واستمر يقول في نفس الإطار إن يونس ميكري لم يخرج عن عدد من الأدوار التي أداها في السابق كرجل منفتح مثقف له جاذبية خاصة.

المصدر : الجزيرة