إبراهيم صموئيل

للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو رواية بعنوان "المنوَر" كان قد كتبها في شبابه ما بين الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وقدّمها حينذاك إلى دار نشر إلا أنها أهملتها 36 عاماً، حتى إذا ما نال صاحبها جائزة نوبل سارعت الدار إلى استئذانه بنشرها، غير أن ساراماغو اشترط أن يكون ذلك بعد رحيله فقط.

صدور هذه الرواية أخيراً يُعيد إلى الأذهان وقائع مماثلة، منها ما حدث مع نجيب محفوظ بشأن مقالات كان كتبها في ثلاثينيات القرن الماضي، ورفض نشرها بعد نيله جائزة نوبل، لأسباب لا تبتعد كثيراً عن أسباب ساراماغو، غير أن المقالات جُمعت وصدرت في كتاب بعنوان "حول الأدب والفلسفة"!

وكذا حدث مع محمود درويش، ولكن بعد رحيله، حين قام عدد من المثقفين بالبحث في مكتبته حتى إذا عثروا على قصائد لم ينشرها -لأسباب تخصّه وحده- قاموا بجمعها وترتيبها كما يشاؤون، فضلاً عن "تصحيحات لغوية" أجروها على بعض القصائد -كما أعلن أحدهم- ومن ثم دفعوا بها إلى النشر تحت عنوان وضعوه لها "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي"!

هذا الذي يحدث، في حقيقة الأمر، ما هو إلا تعدّيات صريحة على حقوق الكاتب (ولا أعني المالية) وإرادته وحريته واختياره لمصائر ما كتب حين كان حيّاً! وهو تدخلٌ سافر يتقنّع بذريعة المحبة للكاتب، وتقدير أعماله، والحرص على كل شاردة من كتاباته وواردة!

والوقائع المشابهة كثيرة ليس آخرها رسائل عاطفية شخصية تخصّ غسان كنفاني نشرتها المرسَلة إليها بعد رحيله، وقصص متفرقة ليوسف إدريس لم يجمعها في كتاب خلال حياته، فتمّ جمعها ونشرها بعد غيابه تحت عنوان "ندّاهة الكتابة"، وكذلك تجارب قصصية مبكّرة، وفجّة بطبيعة الحال، لسميرة عزّام لم تشأ أن تنشرها خلال حياتها، فنُشرت بعد رحيلها بعنوان "أصداء"!

وإذا كان قد قيل إن أعمال الكاتب بعد نشره لها لا تعود ملكاً له وحده، بل يشاركه القراء والنقاد ملكيتها عبر آرائهم بها، فهل يؤدي هذا العرف إلى مصادرة حرية الكاتب، وإرادته، واختياراته بالإقدام على نشر ما لم يُرد نشره في حياته؟!

ما إن يرحل مبدع ذائع الصيت حتى يهرع المقرّبون منه، والطامعون وأصحاب المآرب المختلفة، إلى البحث والتفتيش عمّا يكون الكاتب قد خلّفه من أوراق ومسوّدات وتجارب قصصية أو شعرية أو روائية خلال مسيرته الأدبية بغية القيام بطباعتها ونشرها تحت عناوين تجارية مثيرة "نصوص مجهولة للكاتب الفلاني"، أو "نصوص لم يسبق نشرها"، أو "الرواية التي فُقدت ثم عُثر عليها"، وما إلى ذلك مما يجتذب القراء ويمنح اسم المُعدِّ لمعان الاكتشاف، ويدرُّ على الدار الأرباح المالية بسبب شهرة الكاتب.

وهذا الذي يحدث، في حقيقة الأمر، ما هو إلا تعدّيات صريحة على حقوق الكاتب (ولا أعني المالية) وإرادته وحريته واختياره لمصائر ما كتب حين كان حيّاً! وهو تدخلٌ سافر يتقنّع بذريعة المحبة للكاتب، وتقدير أعماله، والحرص على كل شاردة من كتاباته وواردة!

كثيراً ما يمتنع الكاتب -لأسباب عديدة يراها- عن طباعة ونشر قصص كتبها يوماً، أو رواية كان أنجز فصولاً منها، أو نصٍّ مسرحي أتمّه، أو بضع قصائد نظمها، ربما يكون آثر الاحتفاظ بها للعودة إليها، أو الاستئناس بها، أو لمعاودة معالجتها، أو لكون النص لم يرضه، أو لتعثرات في بنائها، أو حتى لمزاجه الخاص.

وإذا كان ساراماغو قد اشترط عدم نشر روايته إلا بعد رحيله، مما يوحي برغبته في التنصّل من مسؤولية النشر، فإن محفوظ قد رفض كليّاً نشر مقالاته المبكّرة -كما يكتب صديقه المقرب الروائي يوسف القعيد- "لأن الدنيا تطورت وخرج إلى الوجود كتّاب متخصّصون بالفلسفة، لا بدّ أنهم تجاوزوا هذه الاجتهادات المبكّرة التي ربما كانت أقرب إلى اجتهادات الهواة"، كما يقول محفوظ.

العديد من الكتّاب أغفلوا عن عمدٍ ذكر عملهم الأول رغم صدوره، إذ باتوا يرون فيه ما لا يستحق الذكر ضمن أعمالهم الإبداعية الناضجة، والعديد من الكتّاب رفضوا جمع بعض القصص أو القصائد المنشورة في الدوريات إلى دواوين أو مجموعات قصصية ينوون إصدارها، لأنهم لا يجدون مقامها أو سياقها في كتاب

ورغم ذلك تمَّ جمع المقالات في كتاب وإصداره!! كيف؟ يقول كاتبنا "عندما رفضتُ لم أعمل حساباً لذلك الاختراع البشري الذي اسمه الإلحاح، ومعاودة طرح الموضوع أكثر من مرة!" وهو ما يجعلنا نفهم أن هذا الكتاب صدر خلافاً حتى لرغبة محفوظ الحقيقية، وضغطاً عليه من المحيطين به!!

ناهيك عن أن سميرة عزّام لم تفكر، ولا أرادت نشر تجاربها القصصية في الأربعينيات، بل ولا هي أوصت بنشرها بعد رحيلها، كما أن غسان كنفاني عندما كتب رسائله ربما بدوافع عاطفية وجدانية صرفة، لم يكن ليتصور أن تُعرض على القراء بعد رحيله!

وفي اعتقادي أنه لا يجوز حتى لورثة الكاتب (من أبناء أو إخوة) أن ينشروا ما لم ينشره الكاتب أثناء حياته، سواء المنجز أو غير المنجز من أعماله، إذ الأمر هنا لا يتعلق بالتصرّف بأثاث بيت أو ملكية أرض أو أموال، بل بنصوص أدبية ما كان للكاتب وهو حيٌّ أن يسمح بتغيير سطر منها، أو أي إضافة إليها، أو حذف من قِبل أي شخص أو جهة من دون العودة إليه واستشارته, بطبيعة الحال!

يدلّنا على ذلك، ويؤكد عليه، أن العديد من الكتّاب أغفلوا عن عمدٍ ذكر عملهم الأول رغم صدوره، إذ باتوا يرون فيه ما لا يستحق الذكر ضمن أعمالهم الإبداعية الناضجة، وأن العديد من الكتّاب رفضوا جمع بعض القصص أو القصائد المنشورة في الدوريات إلى دواوين أو مجموعات قصصية ينوون إصدارها، لأنهم لا يجدون مقامها أو سياقها في كتاب.

أيحتاج المؤكَد إلى تأكيد بأن للكاتب حقّه وحريته وإرادته فيما ينشر أو يمتنع عن نشره، وأن علينا واجب الاحترام الكامل لحقه ورأيه ورؤيته من دون أي تدخلٍّ أو تعدٍّ أو تطاولٍ؟ أم إن المسألة برمّتها تكمن في مطرح آخر بعيدٍ عما ذكرته سابقاً، وهو أن نزعة الاستهلاك حين تجتاح عصراً لا تُبقي على قيمةٍ، ولا على خصوصيةٍ، بما في ذلك منجز المبدعين، وحقوقهم، وحريتهم، واستقلال إرادتهم؟!

المصدر : الجزيرة