عبد الرزاق بوكبّة

يشكّل كتاب "أسفار العقل" للباحث الجزائري حميد زنّاز نزهات فكرية إلى بقاع ولغات متعددة من الأرض، بادر المؤلف -منذ البداية- إلى التأكيد على أن المقصود منها ليس قطف إجابات، بل زرع أسئلة تمس بعدا من أبعاد الوجود.

وراهن الكتاب -منذ المدخل- على أن يقدم مادته الفلسفية، بطريقة سلسة تجذب غير المعنيين بالفلسفة، قبل المعنيين بها، تماشيا مع واقع غربي بات فيه الفلاسفة الجدد نجوما في الميديا، مثل ميشال أنفري الذي ترجم إلى عشرين لغة، وأندري كومت سبونفيل صاحب كتاب "ذوق الحياة"، ولوك فيري صاحب كتاب "ما معنى حياة ناجحة؟".

ويقرأ الكتاب هذه الظاهرة على أنها إفراز لبلوغ جيل الرواد من الفلاسفة مثل سارتر وفوكو ودولوز حائطا مسدودا مع انتهاء عصر الأيديولوجيات، وهو الوضع الذي استغله الفلاسفة الجدد، فاقترحوا أسئلة تتعلق بحياة الناس، أو ما أسماه الباحث "فن العيش".

إن الفلسفة بأنفاسها الجديدة -بحسب حميد زنّاز- لم تعد تحلم بتفسير العالم، وإدراك معنى التاريخ، أو بتحديد معنى الوجود، ولا بسبر عالم الكائن البشري، ولا حتى بتوجيهه، بل انتقلت إلى حياة الأفراد ومصائرهم، وهي بهذا تمدهم بأجوبة عجزت الأيديولوجيات عن مدهم بها.

الفلسفة بأنفاسها الجديدة -بحسب حميد زنّاز- لم تعد تحلم بتفسير العالم، وإدراك معنى التاريخ، أو بتحديد معنى الوجود، ولا بسبر عالم الكائن البشري، ولا حتى بتوجيهه، بل انتقلت إلى حياة الأفراد ومصائرهم

ويسأل زنّاز الفيلسوف الفرنسي الشاب ميشال أنفري: هل تعني عودة الاهتمام بالفلسفة أننا أمام توجه جديد نحو "الجدّيات الصغرى" بعد إفلاس "المحكيات الكبرى"؟

ويجيب أنفري بأنه اهتمام مشروع للغاية، برره سقوط الخطاب المسيحي والماركسي والفرويدي، فكان لزاما البحث عن مخرج، وكانت العودة إلى الفلسفة بشكل جديد تقوم على اقتراح أسلوب حياة، كيف نفكر علاقتنا بالعالم انطلاقا من موقعنا؟

لقد وجد الناس عند الفلاسفة الجدد -يضيف صاحب كتاب "بطون الفلاسفة"- وصفات تساعدهم على أن يحددوا علاقاتهم مع أسرهم وأرباب عملهم، وكيف تكون مواقفهم من المال والفقر والفضيلة والشجاعة والخير والشر.

وقدم الكتاب نماذج من الكتب التي تندرج ضمن مسعى ربط الفلسفة بالحاجات اليومية للناس، وبيّن ما انطوت عليه من ذكاء في استكناه هذه الحاجات.

راوول فانيغييم
أصدر راوول فانيغييم -المؤرخ الملتصق بهموم عصره، رغم تخصصه في القرون الوسطى- كتاب "لا شيء مقدس.. تأملات حول حرية التعبير" عام 2003، مؤكدا عدم وجود أي استعمال قبيح لحرية التعبير، وإنما هناك استعمال غير كاف فقط، "فهو لا يرى حدودا لهذه الحرية، لأنها خاصية أساسية للنوع البشري".

وواصل في كتابه "نحن الذين لا تحد رغباتنا" الصادر عام 1998 اشمئزازه من المجتمع السلعي "الذي يشهد أيامه الأخيرة"، لأنه قفز على نواميس الحياة البشرية، وبشّر المؤرخ بظهور اقتصاد بديل يكون مبنيا على أسس إنسانية.

يقول فانيغييم في مقدمة كتابه "نحن أبناء عالم مخرب، نحاول أن نولد من جديد في عالم ينبغي إبداعه، الراديكالية الوحيدة هي أن نتعلم أن نكون بشرا".

وجوه حية
وأبدع حميد زنّاز في المقالات التي شكلت بورتريهات لوجوه فلسفية من مختلف الأجيال، مثل مقالة "هل الرأسمالية هي كلمة التاريخ الأخيرة؟" التي قارب فيها المسار الإنساني والفلسفي لكارل ماركس، قائلا إن الناس تعاملوا مع الكاريكاتير الذي قدم لهم عن الرجل، ولم يتعاملوا مع فكره الذي ظلمه الأتباع قبل الخصوم.

وفي مقالة "من شقاء الحاضر إلى غنى الممكن" نتعرف على قصة عاطفية استثنائية عاشها الفيلسوف السويسري غورز مع زوجته الإنجليزية دورين على مدار ستة عقود، واللذان قررا أن ينتحرا معا عام 2007 حتى يحافظا على حبهما متقدا إلى الأبد.

في مقالة "من شقاء الحاضر إلى غنى الممكن" نتعرف على قصة عاطفية استثنائية عاشها الفيلسوف السويسري غورز مع زوجته الإنجليزية دورين على مدار ستة عقود، واللذان قررا أن ينتحرا معا عام 2007 حتى يحافظا على حبهما متقدا إلى الأبد

كتب غورز إلى دورين قبل انتحارهما رسالة نشرت مؤخرا في كتاب، جاء فيها "لو كتب لنا المستحيل حياة أخرى، لعشناها معا للمرة الثانية".

التقى غورز بسارتر عام 1946، وكان ذلك اللقاء مفصليا في حياته، حيث اعترف بأنه بدأ معه، لكن حرصه على استقلاله الفكري، جعله يختلف مع "شيخه" بعد الثورة التي قام بها الطلبة في فرنسا عام 1968، حيث وصف غورز الماويين الذين اقترب منهم سارتر بالشعبويين.

وانخرط في التنظير للإيكولوجيا السياسية في فرنسا، داعيا إلى ثورة ثقافية واجتماعية تخلص الإنسان من قمع الرأسمالية. وهو المسعى الذي تبنته نخبة من الفلاسفة الغربيين، منهم النرويجي آرثر نايس الذي جمع في كتابه "الإيكولوجيا، المجتمع وطراز الحياة" المبادئ الأساسية لفلسفة البيئة.

لم يخل كتاب حميد زناز من مقاربات تناولت تجارب عربية معاصرة في الفلسفة، مثل ألبير قصيري، الذي قال عنه إنه كان يعيش بفكره في مصر مسقط رأسه، رغم أنه حط رحاله في باريس سنة 1945.

وكتب زناز بولع عن الكاتب المغربي إدريس شرايبي الذي قال عنه عبد الكريم الخطيبي إنه "عاش تداخلا ثقافيا مثريا على المستوى الإبداعي والذاتي، يعكس ارتباطا وجدانيا بالتاريخ والذاكرة".

وقد كان هذا الارتباط عند شرايبي -بحسب حميد زنار- خلفيته في كتابه الهجائي الذي تعرض فيه للوعي الشقي لدى المثقفين اليساريين الفرنسيين تجاه الصهيونية والمسألة اليهودية.

المصدر : الجزيرة