عبد الرزاق بوكبّة

حين ولد أحمد سعداوي في بغداد عام 1973 كانت الذائقة الإبداعية للعراق شعرية بامتياز، بالمقارنة مع مشاهد عربية أخرى، والتي كانت توفر لها وجباتها السردية مثل لبنان ومصر وسوريا، وهو المعطى الذي جعل البدايات الإبداعية لفتى "البلد الجميل" مبرمجة على الشعر.

أصدر سعداوي مجموعته الشعرية الأولى "الوثن الغازي" عام 1997 ثم "نجاة زائدة"، فمجموعة "عيد الأغنيات السيئة" فديوان "صورتي وأنا أحلم"، وكلها مفصولة عن بعضها بسنتين من حيث إصدارها.

خرج الشاعر في دواوينه من تراكم شعري عراقي عمره ألف سنة، وتموقع داخل جرح بلاد اكتشفت الكتابة، ليرسم "صورته وهو يحلم" بغد عراقي لا تحكمه "الأغنيات السيئة" بنت الداخل، ولا "الوثن الغازي" ابن الخارج، فكان نصه إضافة إلى المدونة الشعرية العراقية، لا اجترارا لما هو مكرس فيها.

"لمست شعر كل الخيول التي ركضت في التاريخ
وتحسست لزوجة دماء القتلى جميعاً".

لقد تغنى سعداوي في دواوينه الشعرية بالحياة في عز هيمنة الموت على بلاد الرافدين، وانتصر لقيمها النبيلة والجميلة، غير آبه بكل ما كان يتهدد حياته وحياة شعبه، حتى إنه رفض أن يهاجر -وهو الموهوب في مجالات متعددة- إلى بلاد آمنة تعودت أن تستقبل أمثاله.
سعداوي تغنى في دواوينه الشعرية بالحياة في عز هيمنة الموت على بلاد الرافدين، وانتصر لقيمها النبيلة والجميلة، غير آبه بكل ما كان يتهدد حياته وحياة شعبه

تجارب متقاطعة
لم يغادر سعداوي روحه الشاعرة، والمبرمجة على الأسئلة وحب الاكتشاف، حتى وهو ينخرط في تجاربه الإعلامية، فالعمل الصحفي عنده لا يسرق شعلة الإبداع من القصيدة والرواية، بل يغذيهما بمزيد من "الفتوحات" التي استثمر كثيرا منها في أعماله الإبداعية مثل روايته المختلفة "إنه يحلم، أو يلعب أو يموت" الصادرة عن دار المدى عام 2008.

راسل محطة بي.بي.سي البريطانية من بغداد بين عامي 2005 و2007، ووكالة أم.إي.سي.تي الألمانية، وتميزت تقاريره بالدقة والعمق والخفة رغم أطياف الموت المهيمنة على المشهد العراقي.

واحتفت صحف ومجلات كثيرة بمقالاته وتقاريره الصحفية مثل "الصباح" و"الشبكة" و"الأسبوعية"، كما كتبت عنه مقالات وتقارير في صحف ومجلات أخرى. ولعل أهم ملف صحفي مكتوب أنجز عنه ما نشرته أسبوعية "أخبار الأدب" المصرية عام 2000، وتناول كتابه "رأسي" المتميز في مجاله بتناوله علاقة الرأس بالجسد.

وأنجز عدة كتب مشتركة مع كتاب آخرين كرس من خلالها مسعاه في إضاءة المشهد العراقي، مثل "جروح في شجر النخيل"، وهو كتاب ضم شهادات لكتاب عراقيين من حساسيات مختلفة (دار الساقي 2007)، وكتاب "المكان العراقي" الذي ضم تجارب إبداعية من العراق (معهد الدراسات الإستراتيجية 2008).

غلاف رواية "فرانكشتاين في بغداد"
الفائزة بجائزة البوكر (الجزيرة نت)

التجربة الروائية
مهد صاحب "إنه يحلم، أو يلعب، أو يموت" لتجربته الروائية التي أعلن عنها عام 2004 عبر روايته "البلد الجميل"، بتجارب في كتابة السيناريو والأفلام الوثائقية وإعداد البرامج التلفزيونية، حيث بات واحدا من الأسماء العراقية المهمة في هذا المجال.

يرتبط أحمد سعداوي بالمكان العراقي ارتباطاً جعله لا يعيش ولا يكتب بعيدا عنه، فروح المكان العراقي مزروعة في متونه الإبداعية وجهوده الإعلامية، رغم أنه اعترف بكونه حاول عام 2000 أن يغادر إلى الخارج بالتنسيق مع أحد المهربين، لكنه تراجع في آخر اللحظات، وأجمل ما في هذا الارتباط نبذه للتعاطي الطائفي في ما يكتب ويعيش.

يقول في حوار أجريته معه للجزيرة نت بمناسبة بلوغ روايته "فرانكشتاين في بغداد" القائمة القصيرة لبوكر العربية، "هناك في كل مجتمع متنوع الأعراق والمذاهب خبرة اجتماعية ممتازة عن التلاقح والاندماج والتجاور والتداخل، وهي عناصر تنشأ عليها المدنيات الحديثة، ولكن هذه الخبرة عادة ما تسقط من حسابات زعماء الحروب الأهلية".

متون وجوائز
رغم أن رصيده الروائي لا يتوفر إلا على ثلاث روايات، هي "البلد الجميل" الحائزة على الجائزة الأولى للرواية العربية بدبي عام 2005، و"إنه يحلم، أو يلعب، أو يموت" التي أهلته لأن يُختار ضمن أهم أربعين كاتباً شاباً عربياً عام 2010 بمناسبة اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب، و"فرانكشتاين في بغداد" التي توجته بجائزة البوكر العربية الثلاثاء، فإنه استطاع أن يخلق بصمته الخاصة في ما يكتب روائياً عن العراق والوطن العربي.

سعداوي جعل من التفجيرات اليومية التي باتت الوجبة الرئيسية للعراقيين، مادة إبداعية مرر من خلالها أوجاعاً وأحلاماً إنسانية

ويعد الحلم والموت ثيمتيه المفضلتين في الكتابة، فهو يحاول أن يستثمر في تناقضهما، ويبني عالمه الأثير مثلما نجده في رواية ""فرانكشتاين في بغداد" التي بررت لجنة التحكيم في جائزة بوكر العربية اختيارها بكونها "تختزل مستوى ونوع العنف الذي يعاني منه حالياً العراق وبعض أقطار الوطن العربي والعالم".

لقد جعل سعداوي من التفجيرات اليومية التي باتت الوجبة الرئيسية للعراقيين، مادة إبداعية مرر من خلالها أوجاعاً وأحلاماً إنسانية غدت لا تثير الاهتمام لكثرة ما لاكت وسائل الإعلام أحداث العراق.

وأدان العنف جمالياً، وحذر العراقيين منه عبر فكرة الآلة الوحش التي تنقلب -في النهاية- على صاحبها، مثلما نجد ذلك في رواية "فرانكشتاين" لماري شيلي، إذ ليس العنف الجماعي إلا طريقاً إلى فناء الجميع.

إن تتويج أحمد سعداوي ببوكر 2014 هو تتويج لجيل من الروائيين العرب "يحلم ويموت" في صمت، لكنه "لا يلعب" وهو يكابد من أجل كتابة نصوص تقول الحياة، وتدين الموت وعرّابيه.

المصدر : الجزيرة