طارق أشقر-مسقط

خلصت "ندوة تطور العلوم الفقهية" التي اختتمت أعمالها بالعاصمة العمانية مسقط الأربعاء إلى الدعوة لتفعيل "فقه المشترك الإنساني" في حل الخلافات والصراعات كأحد سبل تأسيس علاقات إنسانية جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والحوار بين الثقافات المختلفة وتفعيل قيم العدل والمساواة والتضامن وصولا لرؤية مشتركة للمخاطر والتحديات التي تواجه الشعوب.

وأوضحت توصيات الندوة التي شارك فيها 150 عالما ومفكرا من 24 دولة على مدى أربعة أيام، أن "المشترك الإنساني "يقصد به القيم الإنسانية الموجودة بجوهر كل الأديان والحضارات والمدارس الفكرية التي تلبي حاجات الإنسان من حيث هو إنسان، مثل إقامة العدل وإنصاف المظلوم وتحقيق حرية الإنسان وكرامته والحفاظ على النفس البشرية وتأمين حاجاتها المختلفة.

كما دعت الندوة لتعزيز الجوانب المشتركة لدى علماء المسلمين من المذاهب الفقهية المختلفة، وللعمل على إصدار ميثاق جديد لحقوق الإنسان استكمالا لميثاق "إعلان القاهرة" المتضمن لوثائق حقوق الإنسان في الإسلام في العصر الحديث.

وأوصت الندوة بترسيخ مبادئ حقوق الإنسان مهما كان لونه وفكره وعرقه وقوميته ودينه من خلال الحفاظ على الكليات الخمس بالشريعة، وهي حق الدين والنفس والعقل والعرض والمال. وأوصت كذلك بنشر قيم القرآن الداعية للحرية والكرامة والتعارف والمسالمة والخير العام من أجل مواجهة تيارات الخصوصية والانعزال والتوتر والتفرقة.

كما تضمن بيانها الختامي أيضا توصية بتعميم رسالة عُمان في التسامح إلى العالم أجمع من خلال المؤسسات التي تعنى بهذا الجانب ودعمها لتحقيق رسالتها.

وفي سياق الحديث عن تفعيل المشترك الإنساني لحل الخلافات والصراعات التي شكلت تحديا واضحا للفقه الاسلامي، تحدث للجزيرة نت وزير الشؤون الدينية السابق بتونس نور الدين الخادمي موضحا أن الفقهاء دورهم مهم في تحقيق التقارب وترسيخ الوحدة وترشيد الخطاب في إطار أن كل فرد من أفراد المجتمع له دوره في البناء والتنمية، من خلال فتاواهم وأطروحاتهم الفقهية العصرية الواقعية التي تراعي فقه الواقع وتراعي الأولويات والإمكانيات.

وبشأن تحديات الفقه في ظل أوضاع التيارات الإسلامية السياسية بالمنطقة، اعتبر الأكاديمي السابق بجامعة الملك عبد العزيز د. محمد بشير حداد أن هذه الأوضاع أوجدت تحديا كبيرا أمام الفقهاء، كونها جاءت في ظل تموجات أفرزت وقائع متحركة، داعيا لإعمال دور الفقه للحفاظ على وحدة الأمة وصون حقوقها الخمسة.

وطالب الفقهاء بصون تلك المقاصد، وهي حماية النفس والمال والعرض والدين مهما علت أمواج الخلافات، فعليهم أن يحموا الأمة من ألاعيب السياسة المختلفة.

وفي الإطار نفسه تحدث للجزيرة نت رئيس جامعة العلوم الإسلامية العالمية بالأردن الدكتور عبد الناصر أبو البصل، فأوضح أن الأوضاع السياسية والمذهبية والاقتصادية الحالية المتعلقة بالتيارات السياسية الاسلامية وغيرها تؤثر كثيرا على الفقه، ما لم ينط بالفقه اجتهاد جماعي غير متأثر بتيارات معينة.

ودعا المجامع الفقهية للعمل على ضبط الحياة بفتاوى تجمع المسلمين لا تفرقهم وأن تحرص على رصد المستجدات والمشكلات التي تواجه الأمة.

وبدوره رأى الأستاذ الزائر بجامعة السلطان قابوس الدكتور سيف الهادي أنه إذا كانت أوضاع هذه التيارات تشكل تحديا للفقه، فعلى المشتغلين به أن يدركوا هذا التحدي ويفهموه جيدا في إطار إدراكهم للأمانة التي كلفوا بها، وهي الخروج بالعالم الإسلامي من كل الأزمات التي تمر به.

ودعا الفقهاء للوصول لصيغة توافقية إصلاحية تصلح بين الفرقاء بالتيارات الإسلامية السياسية، عملا بقوله تعالى "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم".

من جانبه اعتبر أستاذ القانون الدولي بجامعة الإسكندرية د. محمد الدقاق أن أوضاع التيارات الإسلامية السياسية بالمنطقة تشكل تحديا ضخما للفقهاء، لأن بعضها ألفت وانحازت لأفكار متشددة صبغت الإسلام بصبغة ليست له.

المصدر : الجزيرة