تعود زهرة "اللالة" (التوليب) اليوم إلى حدائق وشوارع إسطنبول لتضفي على المدينة جمالية بألوانها الزاهية، وتستذكر ماضي دولة إسلامية عظيمة حكمت العالم، حين كانت تلك الزهرة رمزا للإمبراطورية العثمانية في أوج عظمتها حتى سميت إحدى فترات الرخاء "بعصر اللالة".

عقبة الأحمد-إسطنبول

تحتل زهر "التوليب" أو ما يطلق عليها باللغة التركية "لالة" بأشكالها وألوانها الزاهية مكانة هامة جدا في ثقافة وتاريخ الأتراك، وقد أعادت بلدية إسطنبول للعام التاسع على التوالي إحياء هذا التراث بعد أكثر من 150 عاما على اندثاره بعدما كان رمزا للإمبراطورية العثمانية في أوج عظمتها حتى سميت إحدى فترات الرخاء "بعصر اللالة".

ومنذ عام 2005 تحتفل بلدية إسطنبول -التي اتخذت الزهرة شعارا لها- منذ مطلع أبريل/نيسان وحتى نهاية الشهر بمهرجان زهرة اللالة، وقد تطور المهرجان من غرس الآلاف من تلك الزهور حتى وصل هذا العام إلى 20 مليون زهرة، وفق ما أعلن رئيس بلدية إسطنبول قدير طوب باش لدى افتتاحه المهرجان السنوي أمس الأحد.

رئيس بلدية إسطنبول افتتح مهرجان زهرة اللالة للعام التاسع على التوالي (الجزيرة)

ألوان وأشكال
وفي كلمته الاحتفالية بحديقة "إميرغان"، شدد طوب باش على ضرورة عدم نسيان الأتراك تاريخهم وثقافتهم، ومن ذلك إعادة زهرة اللالة لموطنها الأصلي، وأوضح أن إسطنبول انتقلت من مرحلة استيراد هذه الزهرة إلى تصديرها.

واعتبر رئيس بلدية إسطنبول –وسط تصفيق حار من الجماهير- أن تطور المدن لا يقاس فقط بالخدمات التي تقدمها للنقل والمواصلات وتوفير المياه، فهذه خدمات يجب أن تقدم، ولكن ذلك يقاس بتميزها عن بقية المدن في جماليتها.

حشود غفيرة من عائلات إسطنبول توجهت لحديقة "إميرغان" للمشاركة في هذا المهرجان الثقافي والفني، فعلى مد النظر تنوعت أشكال وألوان زهرت اللالة –التي تفوق المئات- فهناك الأحمر بتدرجاته والبنفسجي والزهري والبرتقالي والأصفر كذلك وألوان أخرى غريبة.

وقد امتلأت الحديقة بالزوار في كل زواياها، فهناك أطفال يلعبون بعدما تعرفوا على أنواع من الزهور، وآخرون يلتقطون الصورة التذكارية، وبينما يتوجه فريق لشراء الزهور من أماكن حددت لذلك، تزور عائلات وأفراد أجنحة خصصت لعرض المشغولات اليدوية والزخارف واللوحات التي أخذت شكلها من زهرة اللالة إما للمشاهدة وإما للشراء.

حديقة إميرغان امتلأت بالزوار ضمن فعاليات مهرجان زهرة اللالة (الجزيرة)

عبق الماضي
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل استغل بعض أهالي إسطنبول الحدث ليكون تاريخيا بامتياز في حياتهم فجعله يوما لا ينسى للاحتفال بالزواج، فأين ما تجول في الحديقة ترى العديد من "العرسان" يلتقطون الصور التذكارية في زاوية ما أو بين الزهور.

ويقول أركان –وهو مواطن تركي جلب عائلته معه- عن مهرجان اللالة إنه يجب على الأتراك أن لا ينسوا تاريخهم ويستعيدوا ما أخذه الآخرون منهم.

وأوضح للجزيرة نت أن الهولنديين أخذوا اللالة من العثمانيين وجعلوا منها تجارة "آن الأوان لعودة اللالة لبلدها الأصلي". وأشار إلى أنه يريد لأطفاله أن يعلموا ما تعنيه الالة في تاريخ تركيا.

أما أورهان غازي –وهو إمام وداعية إسلامي- فأعرب عن سعادته بعودة زهرة اللالة إلى موطنها الأصلي والتي "تدل على فترة قوة الدولة الإسلامية". وأشار إلى أن الإسلام يحث على التأمل بجمال الطبيعة التي خلقها الله.

أما السيدات والفتيات فقد أعربن عن سعادتهن بجمال تلك الأزهار لإسطنبول في شهر الربيع لتضفي على المدينة ألوانا زاهية.

مهرجان زهرة اللالة مثل فرصة لالتقاط الصور والنزهة (الجزيرة)

زهرة لها تاريخ
وتقام على هامش مهرجان زهرة اللالة أنشطة منوعة تتضمن معارض لفن اللالة التقليدي والرسم والنحت والتطريز، في حين تقدم بلدية إسطنبول العديد من تلك الزهور هدايا للمواطنين للاحتفاظ بها في منازلهم.

تجدر الإشارة إلى أن أجداد العثمانيين جلبوا معهم زهرة اللالة –وهي من فصيلة الزنبقيات- من أواسط آسيا للأناضول وأصبحت رمزا للسلالة العثمانية.

ولعبت هذه الزهرة دورا كبيرا في الثقافة والفنون العثمانية بحيث أصبحت النمط الزخرفي الأكثر شعبية للمباني والأعمال الفنية وباتت رمزا للدولة، وتزينت بزخارفها المساجد وقصور السلاطين وتشكلت بها فرش السجاد.

ولدورها الكبير في الثقافة العثمانية، أطلق على أحد عهود الدولة "عهد اللالة"، وهي الفترة التي امتدت من عهد السلطان أحمد الثالث في عام 1703 وما تبعه من سلاطين وحتى عام 1830، حيث اهتم في تلك الفترة السلاطين بالفنون والثقافة والأدب وراجت بشكل كبير زراعة زهرة اللالة.

وتعود زهرة اللالة اليوم إلى حدائق وشوارع إسطنبول لتضفي على المدينة جمالية بألوانها الزاهية، وتستذكر ماضي دولة إسلامية عظيمة حكمت العالم.

المصدر : الجزيرة