أمير تاج السر*

منذ عدة أيام توفي في الخرطوم إثر مرض مزمن الشاعر السوداني العظيم محجوب شريف، الذي كان يسمى شاعر الشعب. وقبله بعدة سنوات، توفي محمد الحسن سالم حميد المسمى صوت الغلابة، وهي درجة أيضا من درجات وظيفة شاعر الشعب.

وفي العام الماضي توفي بسوريا وفلسطين ومصر شعراء مشهورون أيضا، لم يكونوا يسمون شعراء الشعب صراحة، لكنهم يعاملون إعلاميا وواقعيا بطريقة مميزة بوصفهم شعراء لشعوبهم، ومنهم الشاعر المصري الكبير أحمد فؤاد نجم.

وما زال يوجد في كل الدنيا شعراء مجيدون همهم الأساسي أن يكونوا بشرا أولا، ووطنيين ثانيا، وبالتالي ألسنة لشعوبهم التي ربما لا تفوّضهم صراحة، ولكن ترضى بهم بكل تأكيد إن فوّضهم البعض.

الحقيقة أن لقب شاعر الشعب ليس لقبا مترفا ولا عاديا ليمنح لأي شاعر، حتى لو كان مجيدا في صياغاته وماكرا في اصطياد الأفكار أو الاستعارات كما يسميها الكاتب التشيلي أنطونيو سكارميتا في روايته الجميلة "ساعي بريد نيرودا"، ولكنه اللقب الذي سيجعل صاحبه يخوض اختبارات عسيرة ليظل أهلا له أولا، ثم ممسكا له بقوة، بعد ذلك.

الحقيقة أن لقب شاعر الشعب ليس لقبا مترفا ولا عاديا ليمنح لأي شاعر، حتى لو كان مجيدا في صياغاته وماكرا في اصطياد الأفكار أو الاستعارات

شاعر الشعب يعني صياغة المعنى القوي الجبار من خامات لغة الشعب البسيطة التي يمكن أن تستخدمها أم أو جدة مسنة، أو عامل في ورشة، أو مزارع في حقل بعيد، أو حتى صياد في غابة، وإطلاقه صرخة في وجه أي ظلم يحدث..

يعني اختيار المواقف الشجاعة والانغماس فيها بكل الثقل، وتجنب الجبانة بالفرار من أماكن تراكمها، ويعني بالضرورة أن تكون قويا ومؤثرا ومسموع الصوت، وأنت مكبل بالقيود في قبو أو سجن مظلم، وأن تكون قد وصلت إلى كل قلب ينبض في بلادك وأنت بلا حول ولا قوة.

وبالرغم من أن معظم من استطاعوا أن ينجحوا في تلك الاختبارات ويحصلوا على ألقابهم أو مسمياتهم بجدارة كانوا ينطلقون من أيدولوجيات محددة، فإنه ليس بالضرورة أن يكون شاعر الشعب مؤدلجا ليصبح كذلك.

وليس بالضرورة أن يكون معارضا للسلطة في بلاده إن كانت السلطة حليفة للشعب الذي جعله شاعرا له، والدليل على ذلك أن كثيرا من الشعراء مدحوا سلطات معينة في بدايات حكمها وهي تكافئ الشعب وتدلل طبقاته المختلفة، وتفتتح المدارس وترصف الطرق، وتمنح الإعانات السادّة لثغرات الجوع، ثم عادوا وهاجموها بمجرد أن انتبهت إلى كونها سلطات تملك صلاحية أن تذل وتحبط وتهبط بسمعة العدالة إلى الأرض، ولم ينتقص ذلك من قدر أولئك الشعراء شيئا.

لو تأملنا تجربة الراحل محجوب شريف جيدا لوجدنا صفة شاعر الشعب لا تليق به فقط، لكن تكاد تلك الجملة قد ركبت هكذا من أجل أن تسبق اسمه ذات يوم كما حدث.

فمحجوب شريف كان يكتب شعره من تلك اللغة البسيطة المتداولة والسهلة لكل الناس بمختلف طبقاتهم ومستويات تعليمهم، ويحمله المعاني المعقدة التي ينبغي أن تحملها القصيدة، أيضا امتلك موهبة أن يحبه الناس، أن يفتتنوا به وبأشعاره، وأن تصبح قصيدته في كل قلب وعلى كل لسان، بمجرد أن خرجت من عنده.

وبالرغم من أنه لم يكن يملك منبرا إعلاميا كبيرا، ولا كان من هواة الظهور فضائيا في تلك القنوات التي بلا عدد، والتي يمكن أن يظهر فيها طفل حديث الولادة بوصفه شاعرا كبيرا، فإن ذلك لم يكن ضروريا أبدا في حياته. كانت القصيدة الشعبية المكتوبة بحبر المعاناة، والمرسلة لكل الناس، تصل بسهولة.

بتلك المواصفات انتشر محجوب شريف، وبتلك المواصفات قضى سنوات طويلة من حياته في المعتقلات، أو في أقسام التحقيقات التي كانت تعتبر قصائده من المنغصات.

بجانب قوة القصيدة المصاغة من الخامات البسيطة كما ذكرت، يأتي التأثير الإيجابي الذي يحدثه واحد مثل محجوب شريف في المجتمع المدني، وهذا أيضا من خامات بسيطة للغاية، لكن صنعت منظمة وارفة من منظمات المجتمع المدني، وهي منظمة "رد الجميل".

لو تأملنا تجربة الراحل محجوب شريف جيدا لوجدنا صفة شاعر الشعب لا تليق به فقط، لكن تكاد تلك الجملة قد ركبت هكذا من أجل أن تسبق اسمه ذات يوم كما حدث

تأتي "رد الجميل" بكل ما تستطيع أن تأتي به ليباع في أسواق خيرية، ويدعم إيراده الفقراء الذين قد لا يستطيعون الأكل والشرب والتعليم والحصول على الدواء، وهي أبسط حقوق الناس في الحياة، والتي للأسف الشديد تصبح في بعض الأحيان ترفا عصيا.

أعتقد أن المنظمة قد أدت ما عليها وما زالت تؤدي، وأعتقد أنها ستستمر في العطاء بعد رحيل الشاعر، لأنه كما قلت كان شاعر الشعب، وشاعر الشعب وظيفة لا يترجل حاملها بموته، بل يظل هناك من يؤدون تلك الوظيفة نيابة عنه وباسمه، وبالتالي استمرارية عطاء الشاعر في خلود قصائده، وخلود أعماله الإنسانية بعد أن يرحل.

وكنت في مقال سابق قد تحدثت عن قيم منظمات المجتمع المدني التي تنشأ لأهداف إنسانية بعيدة عن أي نشاط آخر، وأن هذه الأهداف مستمرة ما دامت الإنسانية متوفرة لدى البعض، في أي زمن.

بالنسبة لشخصية محجوب شريف، بعيدا عن شعره ونشاطه الإنساني الآخر، فقد كانت شخصية آسرة بالفعل، وقد انجذبت إليه وإلى حديثه في بداية تعرفي إليه أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، حين كان بصحبة أفذاذ آخرين نزلاء بسجن بورتسودان.. كانت في الحقيقة ثلاثة أيام مكثفة قضيتها معهم، عامرة بالشعر والتنوير والمحبة أيضا.

إذن، نحن فقدنا شاعر الشعب الذي أحبه الشعب، حتى تلك الفئات التي تختلف معه فكريا، فقدناه جسدا قد يشتاق أحدنا لزيارته ذات يوم في بيته بأم درمان، أو لقائه في أمسية شعبية في أي موقع فيه شعب، ولكن تبقى تلك الإضاءة التي تركها موجودة، ما وجد وطن.
_______________
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة