هيثم حسين

يتقصّى العراقي نعيم عبد مهلهل أثر التاريخ في عدد من المدن التي يختارها كأبطال لروايته "مدن حريم السلطان"، إذ يوزع أدوار البطولة بينها وبين عشاقها من أبنائها الذين اضطرتهم الظروف للابتعاد عنها والهجرة منها.

في روايته -الفائزة بجائزة الحمراني للرواية بمناسبة بغداد عاصمة للثقافة 2013 ونشرتها دار نينوى بدمشق مؤخرا- يكتب مهلهل بعاطفة صقلتها الحرب وفجرتها الغربة، يتنقّل بين ذكريات الحرب وعالم الذكريات.

يصف التغير الذي يشمل كل شيء في الحرب، وحالة اختفاء المدن خلف الستائر المنيعة لتبقى ذكريات أبنائها بأمان. وكيف أنه في المدن تختفي الحرب تحت ورد الحدائق لتذكّر بعطر مَن صنعوا ألفة البقاء بدموعهم ورسائلهم.

تشكل مدينة الناصرية الواقعة في الجنوب العراقي مرتكزا للراوي الذي يصرّح بأنه يكن احتراما خاصاً للوالي العثماني مدحت باشا الذي كان قد بناها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، خلق كيانها وأسس ذاكرتها وجوديا وحضاريا. ويستذكر تميزها بأنها أعطت لحروب بلادها العدد الأكبر من الضحايا، منذ حرب البلقان وحتى تهدم أسوار بغداد أمام رعد الألوية المجوقلة الآتية من أريزونا وكنتاكي وجزيرة سان ديغو.

يجوب بطل الرواية مدن العراق، يتألم لواقعها وكيف تفجرها السيارات والأحزمة الناسفة وكواتم الصوت، ثم يبعثر فتنتها لصوص ركام الدكتاتورية

متحف الذاكرة
يسعى ابن الناصرية إلى التعرف على شخصية مدحت باشا ويتخيّل روحه الإصلاحية، يضفي عليه مزايا البطولة لأنه شيّد المدينة وأكرم وجوده بوطن. يقرأ عنه كثيرا وعن محطات حياته، وما تعرض له من فتن ومؤامرات، تعجبه روحه المتطلعة إلى الحرّية والحداثة.

يتخيّل في الأثناء صورة زوجته الشركسيّة الحسناء ودورها في دفعه إلى بناء المدينة والاهتمام بها لتكون حاضرة تستحقّ التقدير والاحتفاء.

السارد العليم يحكي عن صديقه التركماني "جرجيس" من كركوك، وعن حالة افتراقهما الماضية وهما يعودان من الخدمة العسكرية، حيث كان كل منهما يقصد مدينته. يتذكر حينها كولمبس الذي كان يقول إن المدن تتباعد لكن أشرعتها تلتقي، في إشارة إلى تلاقيه المحتم مع صديقه ولو في الخيال والذاكرة.

يتذكر الراوي أيضا ماركو بولو وهو يقول إن المدن تضع روحها بين أنامل ملوكها، ويتذكّر كلمات بورخيس الذي يوصي بأنه حتّى تكتب عن مدينة في رواية تخيّل أن روحك شوارعها. ويستشهد بكلمات الملكة فيكتوريا التي كانت قد فكّرت قبل بورخيس بالتشابه الروحي بين المدن، وكيف أن الشيوعيين وصفوا التشابه الذي تحدّثت عنه بالتشابه الإمبريالي في قولها: "لندن تتنفّس من رئة دلهي، لأجل هذا ستبقى الهند لنا".

يستعيد الكاتب في روايته تاريخ المدينة التي تمتدّ وهي تعيش بموازاة أزمنة أبعد من ذاكرة التاريخ المحكي منذ حروف الألواح، ليؤكد أن تواريخها مشفرة برموز ورسوم دونتها شظايا الحجر الصوّان ونبال الصيد وإشارات تحدّثت عنها ألواح مدن الطين المكتشفة.

يجوب بطل الرواية مدن العراق، يوقظه فيها الشجن العجيب وكأنه لم يعش في أرض السواد، تلك البلاد البعيدة في محنة ألف ألم، يتألم لواقعها وكيف تفجرها السيارات والأحزمة الناسفة وكواتم الصوت، ثم يبعثر فتنتها لصوص ركام الدكتاتورية.

ويحكي أن الحرب القديمة انتهت إلى خردة الدبابات، وتدلّت رؤوس جنرالاتها من حبال المشانق أو التيه في غربة المنافي، وبقي هاجس الذكرى الوحيدة هو ما يجمعه بصديقه القريب البعيد، لتجمعهما باريس على ضفاف السين عندما رسم وجه صديقه على قميص أبيض لفاتنة فرنسية، وتمرّ الذكريات هادئة لتفترض رغبته أن يكون صديقه معه ويحاول في إباحيّة عشقه للمدينة الكونيّة أن يضيف شيئا إلى مجد ريفيّته.

يتخيل البطل بلغة شاعرية مدينة كركوك لتتداخل الذكريات مع صور الحبيبة، وتستفيق معها قصائد رامبو وسركون بولص ورينيه شار وصلاح فائق وبول إيلوار وعبد اللطيف بندر أوغلو وميشيل ديغي وغيرهم

مناف ونساء
يعيد الروائي التذكير بأيام الحرب والحصار وبطاقات التموين والقتل على الهوية. وواقع المدن وأشواق ذاكرة التراب. حيث المقابر والمعابد وحقول النفط وخيام مآتم مَن يقتلهم القدر الملثّم ولقطاء الحروب الطويلة. وكيف أن أبناء المدن الجاثمة على بحور من الثروات والنفط لم ينالوا منها إلا الدموع وكانوا ضحايا الحروب والانقلابات وبعض مِحن الفتن القوميّة.

يخص مهلهل بالذكر مدينة كركوك التي اجتمعت عليها وفيها مطامع المحتلّين والمستعمرين، وتظل واحدة من مدن الفسيفساء المتنوّع التي لا تفقد شهيتها أبدا في نسيان الماضي، فهي مدينة تحتكر القلوب بعطر التسامح -كما يصفها- ومَن ذبحوا على دكات البيوت وأزقّة المحلات القديمة وجبهات القتال صاروا متاحف شوق في مقابر دموع تاريخ المدينة.

يصف كركوك بأنها كانت مدينة خرافيّة في محاولتها لأسطرة أشواق مَن يعشقها. يقول إنها من المدن التي تجر المرء إلى أعماق رغبة التخيّل لتبلور هويته وتكونه. يفترض أنه ربما تعدّد الأعراق فيها يجعلها مدينة محترفة في صناعة الألفة، وتنوع ألوان الغرام في أساطير أزمنتها، يقول إنها نشأت لتكون موطنا لآبار النفط ومخازن حبوب غلاتها الموسميّة، ومسرحاً لخيول الآلهة.

يسرد الروائي كيف أن تعاقب الأنظمة والحكومات أدى إلى اندثار سنابك خيل السلطان وتعمّد الأزمنة التالية بذكرى ولاءات جديدة. يحكي عن مراحل بعينها منذ جاء الإنجليز والملك الحجازي فيصل الأول، ثم الانقلابات لتذبح بشظية العسكر آخر عبارة نطقتها خادمة شركسيّة في بيت الوصيّ عبد الإله، وهي تتلقى ببرودة دم رصاصة مهاجم متهوّر لا يدري ولا يفقه ما يفعل.

يظل الكاتب مُسكنا أبطاله بأيام الحرب وذكريات الجبهة، ترى بطله يعيش محنة الاغتراب ووجع الحنين. يتخيّل بلغة شاعرية مدينة كركوك لتتداخل الذكريات مع صور الحبيبة، وتستفيق معها قصائد رامبو وسركون بولص ورينيه شار وصلاح فائق وبول إيلوار وعبد اللطيف بندر أوغلو وميشيل ديغي وغيرهم.

ظلال "حريم السلطان" مهيمنة على الرواية، ابتداء من العنوان ومرورا بتفاصيل الأمكنة والمدن والنساء، حيث يذكر بالمسلسل الشهير، وحياة السلاطين ولقطات من تعاملهم مع الرعية، وكيف أن هناك تقاطعا بين الشغف بالمدن والنساء عادة، يقدم ذلك بلغة شاعرية يحاول عبرها تجميل الألم المزمن.

المصدر : الجزيرة