يحضر "لوريون أكسبريس" أو قطار الشرق السريع أسطوة يختلط فيها السياسي بالتاريخي والأدبي، خلدته أغاثا كريستي في روايتها "جريمة في قطار الشرق السريع" وروايات أخرى أبرزت أبهة السفر في القطار الفخم الذي كان يربط مدن أوروبا بحواضر الشرق.

بوعلام رمضاني-باريس
 
يستعيد معهد العالم العربى بالعاصمة الفرنسية باريس جانبا من أجواء القرن الـ19, باستضافته معرض "لوريون أكسبريس" أو قطار الشرق السريع (1883-1977) الذى كان عنوانا للسفر الباذخ عبر ثلاث قارات بين مدن الشرق فى مصر والعراق وفلسطين وسوريا والعواصم الأوروبية.
 
ويعتبر معرض "كان يا مكان قطار الشرق السريع" الذي ينظم بالمساهمة مع الشركة الوطنية للسكك الحديدية الفرنسية حدثا ثقافيا وتاريخيا بامتياز، ومن المنتظر أن يعيد الوهج الذي افتقده معهد العالم العربي في الأعوام الأخيرة باستقطابه حوالي نصف مليون زائر، كما يأمل المنظمون.
 
وكان رئيس معهد العالم العربي جاك لانغ قد أكد أن هذا المعرض -الذي تستمر فعالياته حتى 31من أغسطس/آب- يشكل حدثا كبيرا على الصعيدين الفكري والفني، ويسمح بالغوص في تاريخ مضطرب شهد على قيام العالم المعاصر إثر انهيار السلطنة العثمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية وتشكل العالم العربي والاستعمار وانتهائه.
 
جاك لانغ: المعرض يمثل حدثا كبيرا على المستوى الفكري والثقافي (الجزيرة)
رحلة حضارات
وتتجلى القيمة المبدئية للمعرض في اعتباره مرجعية ثقافية وفنية وحضارية وصناعية راسخة في قلوب وعقول ومخيلات الملايين من عشاق السفر الفاخر والسياحة المخملية عبر السكك الحديدية التي جعلت من قطار الشرق السريع رمزا لعلاقات جمعت الشرق بالغرب في مرحلة "حولت البوسفور إلى ضاحية على ضفاف السين " على حد تعبير "أدمون أبو" مراسل صحيفة لوفيغارو التي غطت الرحلة الأولى للقطار الأسطوري عام 1883.
 
وكان القطار الذي أرخت له أغاثا كريستي (سيناريو فيلم جريمة في الأورينت إكسبرس 1974 للمخرج سيدني لومي) ولورنس العرب وهتشكوك وغراهام غرين ومارلين دترش وماتا هاري وإيان فليمنغ وجوزيف كيسيل، وكتبت عنه مؤلفات كثيرة، منذ الساعات الأولى ليوم التدشين محط إعجاب زوار راحوا يتدفقون على ساحة معهد العالم العربي.
 
وجذب القطار الثقافي الساحر أيضا أنظار المارة الذين تساءلوا عن سر عرض قطار مكون من القاطرة البخارية الضخمة تتبعها ثلاث عربات فريدة من نوعها وعربة مطعم.
 
ويقدم القطار الأسطوري للزوار الذين يدلفون عرباته الضخمة شعورا فريدا تفرضه اللحظات التاريخية النادرة، فهو ينطق بتاريخ ثقافي وأدبي وسينمائي وجمالي وحضاري غربي وشرقي عبرت عنه قصاصات صحفية وكتب مترجمة لعدة لغات وشاشات سينمائية وفساتين نجوم وطربوش أحمر وماكينة راقنة وخرائط ورسومات يرافقها جميعا تعليق صوتي أنثوي ناعم.

وتتواصل رحلة الزوار مع تاريخ قطار الشرق السريع الذي يُعد غربيا بواقع الأمر في الطابق السفلي من بناية المعهد، وبه يتم الطواف بشكل تقليدي لكنه بديع عبر مجسم القطار وفيديوهات تاريخه ومحطاته وملصقات سينمائية ومستندات استقدمت من الأرشيف وصور فوتوغرافية بعضها معروض في واجهات بشكل حقائب وكأنها إيحاءات بالسفر.

رواية أغاثا كريستي "جريمة في قطار الشرق السريع"(الجزيرة)

استباق التأويل الاستعماري
ونقرأ بالملف الصحفي الذي ظهرت فيه اللغة العربية لأول مرة على غير العادة أن قطار الشرق السريع -الذي أطلقه رجل الأعمال البلجيكي جورج ناجيلماكرس متخيلا قطارا فاخرا يقطع الحدود والقارات- لا يمثل فقط نموذجا للفخامة والأبهة في مجال السياحة وفن السفر على الطريقة الفرنسية بل أيضا رمز ثورة صناعية أوروبية عاشت على إيقاع الجغرافيا وصدى الصراعات السياسية وتطور الحدود والعلاقات بين البلدان التي قطعها.

ومن هذا المنظور كان قطار الشرق السريع -الذي قام برحلته الأولى من باريس إلى إسطنبول عام 1883 وسحب من الخدمة عام 1977- مرآة لتاريخ تحديث الشرق الأوسط وبروز السكك الحديدية في مواجهة سيطرة الخطوط البحرية، كما صنع التاريخ ما بين أعوام 1883 و1956 باعتباره شاهدا على أحداث سياسية ودبلوماسية مصيرية.

وتجنبا لفكرة التأويل الاستعماري الجاهز في مخيلات زوار عرب مفترضين، استبق جيل غوتييه أحد مستشاري الرئيس لانغ الجدد ومحافظ المعرض والدبلوماسي السابق بالجزائر في عدد من البلدان العربية، الفرضية المذكورة قائلا "إن المعهد لم يفكر في المعرض من هذا المنطلق الخطير الذي يُعد مرادفا للحنين إلى زمن المستعمرات الجميل وقناديل الزيت" على حد تعبير الجنرال ديغول كما جاء في السؤال.

وكان الهدف من وجهة نظره عرض تاريخ قطار الشرق الذي كان يستكمل رحلته من إسطنبول حتى حلب ودمشق وبغداد وبيروت والقاهرة والأقصر وحتى أسوان "وسيلة رائعة لاستعادة قرن من تاريخ مجيد نتج عن ثورة صناعية جعلت من السكك الحديدية محركها الرمزي والتراجيدي".

والقطار المذكور يرادف أيضا مفهوم المسرح الكلاسيكي في نظر كلود مولار (أحد مسؤولي المعرض) وهو يجسد وحداته الثلاث (الزمان والمكان والفعل) التي "استهوت الكثير من المخرجين والكتاب والسينمائيين".

المصدر : الجزيرة