لو كتبت سميرة عزام قصصها في الستينيات والسبعينيات لكان أمر النضج الفني عاديا، أما في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات فقد جاء سبّاقا ومتفردا بالمقارنة مع قصص الكاتبات في مرحلتها.

إبراهيم صموئيل*

تعمّدت في كتابة مقالي هذا ألا يكون بمناسبة حلول ذكرى ميلادها (13/9/1927) ولا ذكرى رحيلها (8/8/1967) لأن الحديث عن قامة قصصية شامخة مثل سميرة عزام لا يحتاج إلى مناسبة كالولادة أو الرحيل أو مهرجان يعقد تحت اسمها أو جائزة تمنح لأعمالها، فدورها الثقافي السبّاق في حد ذاته مناسبة دائمة للعرفان.

العرفان بريادتها الزمنية لفن القصة القصيرة (كريادة بدر شاكر السياب ونازك الملائكة لفن الشعر الحديث) في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن الماضي، بحسب ما أرخ للقصة القصيرة عربيا العديد من الدارسين، وشهد لتلك الريادة كتّاب عديدون في هذا الحقل ومنهم غسان كنفاني الذي سماها تقديرا لفضلها "أستاذتي ومعلمتي"..

والعرفان بالريادة النوعية -فضلا عن الزمنية- التي حققتها عبر مجمل إنتاجها، مرتقية به إلى مستوى فني رفيع من حيث العناية البالغة بالافتتاحيات والخواتيم، وشد خيوط السرد فيما بينها، والاقتصاد في الشريط اللغوي، وانتقاء المفردات والتعابير الأوفر دلالة والأعمق سبرا للشخصية والحدث، مركّزة ذلك كله في بؤرة مشعة واحدة تنطلق منها وإليها تعود.

الموجع في سيرة هذه المبدعة العربية أنها لم تجن من ريادتيها الزمنية والنوعية ما تستحقه من تقدير واهتمام، فقضت حياتها في ظلال لغز تهميشها الغريب

لو كتبت سميرة عزام قصصها في الستينيات والسبعينيات لكان أمر النضج الفني عاديا، أما في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات فقد جاء سبّاقا ومتفردا بالمقارنة مع قصص الكاتبات في مرحلتها اللواتي نُسجت قصصهن "على منوال واحد، فلم تتجاوز -إلا قليلاً- قضايا العشق ومشاكل الأسرة وما يدور حول الحب والزواج والرجال، وانصرفت في معظمها إلى تصوير المغامرات العاطفية ولوعة الحب وحسرة الغياب والغرام الفاشل.." كما يكتب صقر أبو فخر بحق.

وفضلا عن ذلك، فإن عزّام ساهمت -إلى جانب قلة من كتّاب القصة القصيرة حينذاك- في تشكيل الملامح الخاصة، وتوضيح فوارق فن القصة القصيرة عن سرديات الخواطر والوجدانيات والتأملات الفضفاضة الرخوة.

لم يمهل الرحيل سميرة عزّام لتواصل عطاءها، فاختطفها وهي في ريعان النضج، تاركة لنا خمس مجموعات قصصية: "أشياء صغيرة" (1954) و"الظل الكبير" (1956) و"قصص أخرى" (1960) و"الساعة والإنسان" (1963)، ومجموعة أخيرة صدرت بعد رحيلها بعنوان "العيد من النافذة الغربية" (1971).

قارئ قصص عزّام سيلحظ بوضوح كيف نهلت موضوعاتها من محيطها الاجتماعي الذي عاشت فيه، وكيف شغلتها هموم الإنسان وآماله وخيباته، وكفاحه من أجل تحقيق إنسانيته تحت أعباء اقتصادية وتشابكات نفسية كانت تضغط عليه وتحاصره، حريصة على ألا تستغرقها مشاعرها الذاتية وألا تجرفها عوالمها النسوية الخاصة، فوضعت بذلك حجر الأساس الذي ستشيد عليه كاتبات العقود التالية معمار القصة الشاهق والمتين الذي نعرفه في يومنا هذا.

الموجع في سيرة هذه المبدعة العربية أنها لم تجن من ريادتيها الزمنية والنوعية ما تستحقه من تقدير واهتمام، فقضت حياتها في ظلال لغز تهميشها الغريب، حتى إذا ما غابت واستيقظ الوسط الثقافي على أهمية ما قدّمته، انهالت الكتابات والدراسات والفعاليات إحياء لذكراها، وتثمينا لمنجزها وريادتها، على نحو شبيه بالاعتذار المتأخر!

اعتذار شهدناه جميعا، وأدركنا أحقيته وضرورته، إلا المبدعة نفسها، المعنية بالاعتذار! غير أن ذلك مضى وانقضى الآن. ما من حاجة بعدُ إلى التفجّع والبحث عن أسباب التقصير، وإلى حل أسرار لغز الحيف الذي أحاق بها. كُتب عن ذلك الكثير.

أليس غريبا -بل ومريبا أحيانا- أن يستمر الوسط الثقافي العربي في ذكر اسم أنطون تشيخوف مثلا وامتداح أعماله إلى حد التقديس، في حين لا يتم الالتفات إلا على استحياء إلى نتاج مبدعين عرب من أجيال تعيش بيننا

ما يجدر بنا التنبّه له والحذر منه في حياتنا الثقافية الراهنة، هو ألا يستمر حجر رحى الإهمال في الدوران، وفي هرس المبدعين وتكرار المأساة. فمن حق مَن يبدع ويعطي ويتميز أن يقطف ثمار جهده خلال حياته، إذ ليس أفدح من الظلم إلا استمراره وتكراره!

ولعلنا نعترف هنا بأن المشهد الثقافي العربي لمّا يتعظ مما حدث لسميرة عزّام ولغيرها الكثير، وما زال رهين وجهين من العملة ذاتها: وجه يغالي في الاهتمام، ويبالغ في التركيز على من تكرس في الإعلام والملتقيات وعبر العلاقات العامة، فلا تنزاح العين عنه، ولا "يزلُّ" اللسان باسم غيره، حتى ليبدو معه هذا البلد العربي أو ذاك وكأنه أنجب مبدعا أو اثنين ثم أصيب بالعقم التام!

ووجه يُجحف بحق المبدعين الحقيقيين الجدد من أجيال تنشأ وتعطي، وتستكمل بناء المشهد الثقافي السابق عليها، فلا تحصِّل -لأسباب وألغاز- من الاهتمام والتقدير حتى ما تستحقه بجدارة ليس أكثر!

أليس غريبا -بل ومريبا أحيانا- أن يستمر الوسط الثقافي العربي في ذكر اسم أنطون تشيخوف مثلاً وامتداح أعماله إلى حد التقديس، بحيث لا يجرؤ متحدث عن القصة على إغفال أقواله وقصصه رغم مضي ما يزيد عن مائة عام عليها، في حين لا يتمّ الالتفات إلا على استحياء إلى نتاج مبدعين عرب من أجيال جديدة تعيش بيننا، وتعطي ما يفوق أحيانا عطاء أساتذتها المكرّسين؟! ألسنا نعاود -بالتعتيم على المبدعين الجدد- إنتاج محنة ما عانت منه سميرة عزّام في زمنها، فنضيف إلى ذنب من سبقونا بإهمالهم ذنوبا جديدة بإهمالنا؟!

وبعدُ، فإن من مآثر الإبداع -في أي لون- ومن فضائل تكوينه، أنه يظهر ويتفتح مثل أزهار الحقول في فصل الربيع، بصرف النظر عما إذا تم الاحتفاء به وقدّر حق قدره أم صُرف النظر عنه وأهمل، وهذا شأن إبداع سميرة عزّام في حينه، غير أنني لطالما عاهدت نفسي على الاحتفاء بما منحته هذه القاصة لأرواحنا وذائقتنا وثقافتنا، فكتبت عنها -وما زلت- من دون أي مناسبة سوى حقّها بالعرفان وجدارتها به.
________________
* قاص وكاتب سوري

المصدر : الجزيرة