عبد الرزاق بوكبة-الجزائر

تدفع كلمة "أخيرا" في عنوان الديوان الجديد لعاشور فني "أخيرا أحدثكم عن سماواته" القارئ إلى التساؤل عن الموانع التي حالت دون أن يتحدث الشاعر عن "سماواته" من قبل، ولن تكون الإجابة -بعد أن ينهي الديوان- سوى أن التأمل في الذات والوجود واللغة أيضا هو ما دفعه إلى ذلك.

فعاشور فني من طينة الشعراء الذين لا يشتغلون على الحالة وينطفئون معها، بل على التجربة في تجلياتها وتحولاتها المختلفة، ولا يعلنونها للقارئ إلا بعد الإحساس بنضجها، أو باستعدادها لأن تواصل نضجها بالقراءة، وهو يشير إلى ذلك في قوله:

"كان لا بدّ من مبتدأ
كان يلزمني لغة من نثار الكواكب
يلزمني متّكأ
خارج الأرض كي أستطيع استراق اللغات، وآتيكم بالنبأ".

المواضيع التي اشتغل عليها ديوان الشاعر متعددة، لكنها تشترك جميعا في كونها تمثل سماوات بالنسبة له

حالة وجودية
والقصيدة عند فني ليست لعبا باللغة وعليها لتوسّل صورة تثير التصفيق، بل هي حالة وجودية عميقة يخلقها التأمل وتخلقه في الوقت نفسه، وهي حالة تثير في النص-القارئ شهوة الأسئلة وفضيلة الشك، ونعمة التأمل في الذات والوجود واللغة بوصفها "بيت الكينونة" كما رآها الفيلسوف الألماني هايدغر.

ورغم أن النصوص تتشبث بموسيقاها الخارجية من خلال التفعيلة (بحر المتدارك في أغلب الحالات)، فإنها تكتنز موسيقى داخلية خلقها استكناه الحالات والأشياء، والاشتغال على الصورة التي تجعل المتلقي في اتصال مباشر بالحالة-المشهد، وكأن الوزن الخارجي لا يحضر إلا لينسى.

"لا يعود إلى نقطة أبدا/ هو يمضي فقط" ليقرأ "التيمة" من جوانب مختلفة، يقتلها بالقراءة-التأمل، ثم يكتبها، يحييها بالكتابة-الأثر، ثم يسلمها لمتلقيها كي يضاعف حياتها بالقراءة، فيكون النص بهذا وليد تعدد لا أحادية.

وتتعدد المواضيع التي اشتغل عليها ديوان "أخيرا أحدثكم عن سماواته"، لكنها تشترك جميعا في كونها تمثل "سماوات" بالنسبة للشاعر، فهو يكتب أحيانا عنها ذاتها (الأنوثة، الأرض، الحيرة، الكتابة نفسها)، وأحيانا يكتب مكابداته في التحليق إليها، بنفس يذكرنا بفلسفة المتصوفة الذين لا يفرقون بين لذة عناء تحقيق الوصال بالمحبوب، ولذة الوصال نفسه.

يقول فني في أحد الأبيات:
"إنني أحفر الأفْق شوقا لزرقتها العاليه
وأصوّب أوردتي ضد هذا الزمان، وأنزف كالساقيه".

القصيدة عند عاشور فني ليست رقصا باللغة وعليها لتوسل صورة تثير التصفيق، بل هي حالة وجودية عميقة يخلقها التأمل وتخلقه في الوقت نفسه

روح الأنوثة والأرض
يفرد عاشور فني ما يشكّل ثلث الديوان لأنثاه، ورغم أنه أطلق عليها اسما مثل كل نساء الأرض "حورية"، فإنه رفعها إلى مقام الأسطورة التي تزداد غموضا كلما صدقناها، وربما هذا ما يجعل بال القارئ يذهب إلى "الحرية" في معناها المطلق، لا "حورية" التي هي امرأة من لحم ودم وشهوة.

إنها تتقمص كل النساء، وترتاح في حلم كل رجل، وتسكن كل المدن، وينام الزمن على ركبتيها.. أنثى تترك أثرها وعطرها في الجبال والرمال والبحار والحقول والسماوات، وتجسد "صورة المحال" الذي لا تطاله إلا لغة لا يفسرها غير حزن البلابل.
"وحورية لا تجيء سوى مرة واحده
ثم تكثر أسماؤها وهْي تعلو، وتهبط كالنجمة الشارده".

وتنزاح الأرض في "أخيرا أحدثكم عن سماواته" عن صورتها المحسوسة لتصبح معطى روحيا ينسجم مع الأبعاد السماوية التي تحكم طبيعة الديوان، ويتسع تماهي الشاعر معها فتضيق عبارته في التعبير عن الحالة، ليجد في فن الهايكو الأسلوب المناسب لقولها بأقل التكاليف اللغوية.

"لحظة عابرة تتأبّد في التراب: القطرة"، و"قصائد مبللة تتنزل على الشاشة ربيعا عابرا"، إنها جمالية الاختصار التي تفرزها حالة القبض على روح الأرض، حيث التعبير عن الواسع بالضيّق، والمتحول بالثابت.

وهي حالة روحية وجمالية عميقة، قد يكون الشاعر شوّش عليها بإدراجه نص "ضفتان لغزة" ضمن المجموعة، ليس مصادرة لحق غزة في الانكتاب، بل لأنها ذات نفَسِ مختلف يجعلها تجربة جديرة بالنشر خارج هذه التجربة.

يتموقع هذا الديوان لعاشور فني بين تجربتيه "زهرة الدنيا" (1993) و"رجل من غبار" (2003) من حيث لغته، لكنه يعلن عن تجاوزه من حيث تعدد الأصوات والاشتغال على عمق الرموز المحلية، ويضع متتبعي تجربة هذا الشاعر الجزائري العابر لجيله الثمانيني أمام هذا السؤال: عمّا سيحدثنا بعد "السماوات"؟

المصدر : الجزيرة